قال القرطبي رحمه الله:(ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، واختلف العلماء في معنى قوله:"وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء"، فقالت طائفة: هي مبينة مؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة، وليس ثم تضعيف فوق السبعمائة، وقالت طائفة من العلماء: بل هي إعلام بأن الله يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف.
قلت: وهذا القول أصح) .
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:(فجزاء السيئة سيئة واحدة مثلها، وجزاء الحسنة على أقل التقديرات عشرة أمثال، فمن غلبت آحادُه عشراتِه فلا خير فيه، ولا يهلك على الله إلا هالك، لأن هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، هيأ الله فيها طريق الجنة ويسرها تيسيرًا عجيبًا، رفع فيها الأثقال والآصار والتكاليف، من شق عليه السفر فليفطر، وليقصر الصلاة، ومن لم يقدر على الصلاة قائمًا صلى قاعدًا، وهكذا في أنواع التخفيف، فمع هذا فالحسنة تكتب له بعشر حسنات، والسيئة إنما تكتب عليه واحدة مثلها، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، بل قد تكون حسنة إن كان تركه لها لأجل ابتغاء مرضاة الله.
فهذه الآيات من أعظم المبشرات للمسلمين، لأن جميع حسناتهم عند الوزن الذي قال الله:"وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ"، إذا كانت حسنتك تضاعف عشر مرات، وسيئتك إنما تجازى بسيئة واحدة مثلها، ففي هذا أعظم البشارة للمسلمين، وعليهم أن يكثروا من الحسنات، ومن الحكم العظيمة وجوامع الكلم قوله صلى الله عليه وسلم:"واتبع الحسنة السيئة تمحها").
لقد كثر الله سبل دخول الجنة ويسرها حتى جعلها أقرب لأحدنا من شراك نعله لمن وفقه الله، وكذلك النار أقرب لأحدنا من شراك نعله لمن لم يلطف به ربه، وأتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني الكاذبة.
فالسعيد من جد وشمَّر، وحاسب نفسه، وراقب حاله، وأكثر من الحسنات، وحذر من السيئات، واستعان على ذلك بكثرة التوبة والإنابة لرب الأرض والسموات، وعافاه الله من التسويف.
اللهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول أوعمل، ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول أوعمل، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله وسلم على من دل أمته على كل خير، وحذرهم ونهاهم عن كل شر، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، إلى أن تكتمل العدتان.
التوبة هي وظيفة العمر، وهي واجبة من جميع الذنوب والآثام، فمن تاب من بعضها - سوى الشرك - وبقي على بعضها قبلت توبته عما تاب عنه عند أهل السنة، أهل الحق والعدل.
يجب التعجيل بالتوبة ويحرم التسويف، وتتعين التوبة عند الكبر، وعند نزول المرض، سيما المخيف، وقبل الشروع في أي عبادة من العبادات، نحو الصلاة، والصوم، والحج، والعمرة، ونحوها.
وها نحن مقبلون على شهر رمضان، نسأل الله أن يبلغنا إياه، فحري بكل مسلم أن يتوب إلى الله توبة نصوحًا من جميع الذنوب والآثام، صغيرة كانت أم كبيرة، فلا كبيرة مع توبة واستغفار، ولا صغيرة مع غفلة وإصرار.
الذنوب التي تجب التوبة منها قسمان:
قسم متعلق بحقوق الله عز وجل، وهذا يشترط فيه أربعة شروط، هي:
1.الإقلاع عن الذنب في الحال.
2.والندم على ما مضى.
3.والعزم على أن لا يعود إليه إلى أن يعود اللبن إلى الضرع.
4.أن يفارق قرناء السوء ورفقاء المعصية.
وقسم متعلق بحقوق الآدميين، وهذا تشترط فيه الشروط السابقة زائدًا رد المظالم إلى أهلها، مالية كانت أم غير مالية، كالغيبة والنميمة، أواستعفاء أصحابها، أوورثتهم إذا هلكوا، وإن تعذر ذلك أوخيف من حدوث ضرر أكبر فالمداومة على الدعاء والاستغفار لهم بظهر الغيب.
من جملة ذلك فإن توبة من بيده مال حرام لا تتم ولا تقبل إلا برد ما بيده من هذا المال الحرام إلى أهله أوورثتهم إن وجدوا، أوالتصدق عنهم إن تعذر أواستحال الوصول إليهم.
والمال الحرام كل ما اكتسبه الإنسان عن طريق غير مشروع، نحو الأموال التي يكسبها المرابون، والسحرة، والسراق، والخمارون، والنهاب، والمختلسون، والمغتصبون، والفنانون، والموسيقيون، والمشعوذون، والمرتشون، والرائشون، ومن شاكلهم.
فإن كان قدر المال الحرام معلومًا رده، وإن استوعب ماله كله أوزاد عليه، ولا يحل له أن يحبس منه شيئًا إلا قدر ما يحل للمضطر من مال غيره، والحد الأدنى مما يستتر به في صلاته، وهو ما يستر ما بين السرة والركبة.
فإن علم أصحابه أوورثتهم رده إليهم، وإلا تصدق به على الفقراء والمساكين عنهم، وليس له ولا أجر المناولة.