ولما كان كل من الجهاد بالسيف والحجة يسمى سبيل الله، فسر الصحابة قوله:"أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ"بالعلماء والأمراء، فإنهم المجاهدون في سبيل الله عز وجل، هؤلاء بأيديهم، وهؤلاء بألسنتهم، فطلب العلم وتعليمه من أعظم سبيل الله).
أرى خطرا يحدق بالأمة، يتمثل في التنازع بين المؤمنين، بغير حق..
أناس يزنون الأمور بما يقع في نفوسهم، لا بالعرض على الأصول الشرعية..
ويبنون على ما يزنون مواقف لا تمثل إلا نفوسهم، وينسبونها إلى الشرع ، ويحكمون وفقها، فيضللون، ويجزمون بهلاك من لم يكن مثلهم..
ومن قال: هلك الناس؛ فهو أهلكهم..
وما بني على باطل فهو باطل...
وما البلاء إلا من عاطفة لا يحكمها عقل، وفي عقل لا تخالطه عاطفة نصيب من البلاء كذلك..
والتوفيق في عقل وعاطفة يجتمعان، فهذا يرشد هذه، وهذه تحرك هذا..
لأجل هذا كتبت المقال التالي..
والله ولي المؤمنين..
العلم، والدعوة، والجهاد..
جمع بين المحكمات وفصل بين المتشابهات
(1) العلم، والدعوة، والجهاد.. بهذه الثلاثة ننشر الإسلام..
-قال الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} .
-وقال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} ..
-وقال تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا} ..
تبليغ الإسلام بالعلم:
-يكون بالمجادلة بالدليل والبرهان وإقامة الحجة على الخصم..وهذه مهمة العلماء الراسخين في العلم، مع أهل العلم والفكر والبحث من غير المسلمين..
وتبليغ الإسلام بالدعوة:
-يكون بعرض الإسلام على الناس، ببيان أصوله ومحاسنه وغاياته، وعلوه على غيره من الملل والنحل والأديان.. وهذا السبيل مع العوام من غير المسلمين، الذين لايحتاجون إلى كبير حجة لإقناعهم، لذا فهو مهمة كل مسلم عنده الحد الأدنى من العلم والفهم.
وتبليغ الإسلام بالجهاد:
-يكون بالقتال، ببذل النفس والمال.. وهذه مهمة كل مسلم عاقل بالغ قادر، عالما كان أو عاميا.. وهذا السبيل مع عموم المحاربين من الكفار، الذين يمنعون تبليغ الإسلام.
(2) كل هذه السبل مهمة، وكلها لازمة لانتشار الدين في الأرض، وبعضها يتقدم على بعض..
• فالعلم والدعوة أولًا.. ثم الجهاد ثانيا..
في البدء يدعى الناس إلى الإسلام، يعرض عليهم الدخول فيه، وإن احتاجوا للجدال والمناظرة، فلهم ذلك، فإن أسلموا فبها ونعمت، وإلا فما لهم إلا دفع الجزية، والبقاء على دينهم، فإن أبوا فالجهاد..
• فالجهاد آخر المراتب في التبليغ، ولا يلجأ إليه إلا بعد نفاد كل الوسائل المقنعة للدخول في الإسلام، أو الكف عن معاداة واعتراض طريقه.. عن بريدة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله.. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم..فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) .
(3) والعلم له شروطه، والدعوة لها شروطها، والجهاد له شروطه..
• فلا يناظر ويجادل إلا راسخ، وليس كل وقت ينفع فيه الجدال، فإذا وقعت المكابرة امتنعت المجادلة..
• ولا يدعو ويرصد نفسه للدعوة إلا فقيه يعرف كيف يدعو؟، وإلى ماذا يدعو؟، ومتى يدعو؟..
• ولا يجاهد إلا قادر، وليس الجهاد في كل وقت، بل يشترط له إعداد العدة، وتوفر العدد، وغير ذلك. وليس المقصود استقصاء شروط كل واحدة منها، بل التذكير بأن كونها واجبة، مهمة، فريضة على المسلمين، لكن ذلك لايعني الدخول فيها كيفما اتفق، بل لابد من شروط، لايحصل الدخول فيها إلا بها، وهذا كما أن الطعام مهم للجسد، لكن ذلك لايعني أكل كل الطعام، وفي أي وقت..
(4) هذه الثلاثة لها حد أدنى ، واجب على جميع المسلمين أن يأتوا به..
• فالعلم له حد أدنى، لا يصلح الإسلام من دونه، وهو معرفة أركان الإسلام، وأركان الإيمان، وما فيها من فروض، لا تقوم الشريعة بدونها..
• والدعوة لها حد أدنى، فيجب على عموم المسلمين الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا تركوه جميعا أثموا، وإذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الآخرين، فهو فرض على الكفاية.
• والجهاد له حد أدنى، مثل الدفع عن أرض المسلمين إذا اعتدى عليها معتدٍ، والاستجابة إذا استنفر الإمام، ونحو ذلك، فهذا واجب على كل قادر.