فتدبر - يا عبد الله - نحلة الحلاج الذي هو من رؤوس القرامطة، ودعاة الزندقة، وأنصف وتورع، واتق ذلك، وحاسب نفسك، فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل وبحق، فتبرأ من نحلته، وإن تبرهن لك، والعياذ بالله، أنه كان والحالة هذه محقًا هاديًا مهديًا، فجدد إسلامك، واستغث بربك أن يوفقك للحق، وأن يثبت قلبك على دينه، فإنما الهدى نور يقذفه في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله، وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به، أرحت نفسك، ولم يسألك الله عنه أصلًا).
قلت: هذه الكلمة التي قالها الذهبي تنطبق على كل الدجاجلة والزنادقة، أمثال مذموم محمد طه، والترابي، وغيرهما كثير، فما أحسن أثر العلماء على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، والله الموفق للخيرات، والهادي من الضلالات، وصلى الله وسلم على محمد الخاتم للرسل، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربهم واقتفى أثرهم حتى الممات.
لقد اختلت الموازين، واختلفت المفاهيم، وخوِّن الأمين، واؤتمن الخائن، وأضحى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، بسبب قلة العلم، وفشو الجهل، لهذا لم يعد يوم الجنائز ذلكم اليوم المشهود المميز بين أهل السنة والجماعة من ناحية، وبين أهل البدع والفسوق من ناحية أخرى، كما كان عند السلف، حيث أضحت جنائز أهل البدع والفسوق تضاهي وتفاخر جنائز أهل السنة إن لم تزد عليها في بعض الأحيان، أقرب دليل وشاهد على ذلك عدد الذين خرجوا في تشييع جنازة الفنان إبراهيم عوض قبل أيام من المسؤولين والعامة، وما قيل من الخطب بعد دفنه وفي تأبينه في عزائه، وما نشرته وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة من مدحه والثناء عليه، مقارنة بما كان عليه سلف هذه الأمة.
سنمثل لذلك بعدد الذين شيعوا جنازة إمام أهل السنة والجماعة، وبين جنائز معاصريه من أهل البدع والأهواء، حتى يتبين الفرق الشاسع والبون الواسع بيننا وبين سلفنا، فبضدها تتميز الأشياء.
قال الدارقطني: (سمعت أبا سهل بن زياد، سمعت عبد الله بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز حين تمر) .
قال الحافظ ابن كثير:(وقد صدَّق الله قول أحمد في هذا، فإنه كان يوم السنة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دؤاد، وهو قاضي قضاة الدنيا لم يحتفل أحد بموته، ولم يلتفت إليه، ولما مات ما شيعه إلا قليل من أعوان السلطان، وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي، مع زهده، وورعه، وتنقيره، ومحاسبته لنفسه في خطراته وحركاته، لم يصل عليه إلا ثلاثة أوأربعة من الناس.
وكذلك بشر بن غياث المريسي لم يصل عليه إلا طائفة يسيرة جدًا، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
وقد روى البيهقي عن حجاج بن محمد الشاعر أنه قال: ما كنت أحب أن أقتل في سبيل الله ولم أصل على الإمام أحمد.
وروي عن رجل من أهل العلم أنه قال يوم دفن أحمد: دفن اليوم سادس خمسة، وهم: أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد.
وكان يوم مات عمره سبعًا وسبعين سنة وأيامًا أقل من شهر رحمه الله تعالى).
عدد الذين شهدوا غسله، وشيعوه، وصلوا عليه
حضر غسله نحو من مائة من بيت الخلافة من بني هاشم، غير أهله وتلاميذه.
شيعه ما لم يعلم عددهم إلا الله، حيث خرج النعش والناس حوله يكتنفونه من كل الجهات، لم يستقر في قبره من بعد صلاة الجمعة إلى ما بعد صلاة العصر.
حرز عدد الذين صلوا عليه بـ 1700000، وقيل 1500000، وقيل 1300000، وقد أعيدت الصلاة عليه مرات ومرات، هذا العدد يمثل في ذلك الزمن كل سكان بغداد تقريبًا.
(روى البيهقي وغير واحد من أن الأمير محمد بن طاهر أمر بحرز الناس، فوجدوا ألف ألف وثلاثمائة ألف، وفي رواية وسبعمائة ألف سوى من كان في السفن.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زُرعة يقول: بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه حيث صلوا على الإمام أحمد، فبلغ مقاسه ألفي ألف وخمسمائة ألف.
قال البيهقي عن الحاكم: سمعت أبا بكر أحمد بن كامل القاضي يقول: ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية ولا في الإسلام اجتمعوا في جنازة أكثر من الجمع الذي اجتمع على جنازة أحمد بن حنبل).
وقال القاضي أبو يَعْلى في ترجمة أحمد وهو يعدد مآثره: (ما أظهره الله تعالى في حياته من المراتب، ونشر له بعد مماته من المناقب، ورفع له بذلك العلم بين سائر الأمم، فتنافس حين موته في الصلاة عليه العلماء والكبراء، والأغنياء والفقراء، والصلحاء والأولياء.. قال المتوكل - وكان غائبًا ساعة وفاته - لمحمد بن عبد الله بن طاهر نائبه: طوبى لك، صليت على أحمد بن حنبل) .
أما ما روي أنه أسلم يوم موته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس فهذا لا أصل له كما قال الحافظ الذهبي رحمه الله في السير: هذه حكاية منكرة.