هذا بجانب أنهم غير معصومين، بل لحوم ولاة الأمر من العلماء أكثر سمًا من لحوم الحكام، وعادة هتك الله لستور منتقصيهم معلومة، فلماذا هذه المحاماة عن الحكام جميعًا وفيهم وفيهم؟ بينما نعطي أنفسنا الحق في انتقاص طائفة من العلماء والنيل منهم وأكل لحومهم وهتك ستورهم، فكما أن الحكام العلماء والمؤتمرين بأمر العلماء طاعتهم واجبة، واحترامهم مطلوب، فكذلك الأمر للعلماء، فالذي أمر بإكرام وإجلال الحكام هو الآمر بإكرام العلماء.
ألا يخشى هؤلاء أن يصيبهم شيء من الوعيد الوارد في قوله تعالى:"أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا".
الأدلة على جواز الجهر بالنصيحة للحكام كثيرة جدًا، وفيما قاله أبوسعيد، وعائذ، وأبوذر رضي الله عنهم، ومن قبل قاله علي رضي الله عنه أمام عثمان رضي الله عنه: لبيك عمرة؛ وعندما قيل له في ذلك قال: ليعلم الناس أنها سنة كفاية؛ لأن عثمان ما كان يرى التمتع بالعمرة في الحج.
رضي الله عن أبي بكر الصديق حين قال:"لا خير فيكم إن لم تقولوها - أي النصيحة - ولا خير فينا إن لم نقلها".
ودعا عمر لمن أسدى إليه النصيحة، فقال:"رَحِم الله امرءًا أهدى إليَّ عيوبي"، وجعل النصيحة من الهدايا القيمة والجوائز النبيلة التي تستحق الشكر والمكافأة، ولهذا كان الأخيار من حكام وأمراء هذه الأمة يجزلون العطايا والثناء على من ينصحهم أكثر من غيرهم من غير المصرِّحين بالنصيحة لهم.
فالاستكبار والاستنكاف عن قبول النصيحة بأي أسلوب كانت وبأي طريقة حدثت من صفات الطغاة ومن أخلاق المستبدين، ولهم في النمرود وفرعون وأمثالهما مثل السوء.
عاشرًا: ضعف التزكية وقلة الورع
كثير من الأسباب السابقة وغيرها مردها واستفحالها وخطورتها ناتجة من ضعف تزكية النفوس وقلة أوانعدام ورعها، فالنفس إذا لم تزكَّ وتطهر من الرذائل والأحقاد، وإذا لم يشتغل الإنسان بعيوب نفسه تشاغل بعيوب غيره وضخمها وبالغ في إظارها ونشرها وبثها بين الناس، فقد أفلح من زكى نفسه، وقد خاب وخسر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
فينبغي للقادة أن يعملوا على تزكية نفوسهم وتطهيرها والسمو بها عن سفاسف الأمور، والاشتغال بمعاليها، وأن يحثوا أتباعهم وتلاميذهم على ذلك، فهم أمانة في أعناقهم، ويقعون تحت إطار مسؤولياتهم، فتعليم الأتباع الأدب والسلوك من أوجب الواجبات، ومن أكبر التبعات، وأفضل طريق لذلك هو القدوة الحسنة والأسوة الطيبة، فالتأديب والتعليم بالأفعال خير وأنفع من التأديب والتعليم بالأقوال.
خاتمة
لا شك أن أسباب الخلاف كثيرة، وليس هدفنا الإحاطة بها، ولكن التنبيه والتذكير بأخطرها لنقيس عليها.
يحق للقارئ بعد هذا أن يسأل بعض هؤلاء العلماء والدعاة، أمن أجل هذه الأسباب الواهية تفرَّق كلمة الأمة، ويهجر ويُعادى الإخوة والأصفياء، ويكيد بعضنا لبعض أشد من كيدنا للأعداء؟!
أمن أجل هذه الأسباب ندفن الحسنات، ونفشو السيئات، ونعظم الأخطاء، ونجسد السلبيات، ويصدق فينا قول الأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزال يرى مصارع مظلوم مجرًا ومسحبًا
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ يكن ما أساء النار في رأس كبكبا؟
احذر أخي الكريم أن يكون همك تتبع عورات إخوانك، والكشف عن سيئاتهم، والفجور في خصوماتهم، فإذا خان الأخ أخاه، وتنكر له، وعاداه، هل يتوقع العون ممن سواه؟!
إذا خانك الأدنى الذي أنت حزبه فواعجبًا إن ساعدتك الأباعد
كن أخي الكريم بناءً، واحذر الهدم والإفساد، قليل من الناس من يحسن البناء والإصلاح، وكثير جدًا يجيد الهدم والخراب، فكن من القليل البناء، فإن الكرام قليل، واترك الهدم لأعداء الدين، ولا تعِن الشيطان على نفسك وعلى إخوانك، وتذكر قول الله عز وجل:"إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير".
إن من أهم أسباب تخلف الأمة الإسلامية كثرة الاختلافات والنزاعات بين أفرادها، وجماعاتها، وعلمائها، ودعاتها، وطعنهم وتشكيكهم في بعضهم البعض.
متى تتخلص الأمة من هذا الداء، وتتوحد لصد الأعداء، وتتضافر جهودها وتتعاون لإتمام البناء؟!
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنتَ تبنيه وغيرك يهدمُ
ولو ألف بانٍ خلفهم هادم كفى فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم؟
خاصة لو كان الألف هادم من بني جلدتنا، ويتكلمون بلغتنا، ويرفعون شعاراتنا، وينتسبون إلى جماعاتنا، وينفذون مخططات أعدائنا، شعروا بذلك أم لم يشعروا؟!
واحذر أن يصدق عليك قول القائل:
وهل كنتُ إلا مثل قاطع كفه بكف له أخرى فأصبح أجذم
وأخيرًا أسأل الله أن يجمع الشمل ويؤلف بين القلوب، ويهدي الجميع سبل السلام، ويجنبهم الفتن والآثام، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأنام، محمد وآله وصحبه الك