من أسباب الخلاف بين العاملين في مجال الدعوة في صفوف أهل السنة في هذه الأيام، التي يرفعها البعض ضد آخرين، ويعتبرونها حاجزًا منيعًا للتآلف والاجتماع، ويعادون ويوالون بسببها، المجاهرة بالنصيحة لبعض ما يصدر من مخالفات لولاة الأمر من حكام المسلمين.
وبادئ ذي بدء لابد أن نقرر أن الأصل في النصيحة مع كل مسلم مستور الحال غير مجاهر ولا داع لبدعة ولا فسق أن تكون سرًا، خاصة لولاة الأمر بشقيهم من العلماء والحكام، الذين يأتمرون بأمر الله، الذين أمرنا الله بطاعتهم في المعروف:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، ولهذا قيل: من نصحك سرًا فقد نصحك، ومن جاهر لك بالنصيحة فقد فضحك.
المسارات التي يُنَاصح فيها ولاة الأمر من العلماء والحكام ثلاثة هي:
1.ما يتعلق بالسلوك - سواء كان سلوكه أوسلوك أهله.
2.ما يتعلق بمصالح الدين والعباد والبلاد.
3.ما يتعلق بالمخالفات الشرعية المتفق عليها.
كل ذلك مع تحري الصدق، والتزام الرفق، ومراعاة الحكمة والمصلحة.
فالمساران الأول والثاني لا يجوز الجهر بالنصيحة فيهما لما يترتب على ذلك من ضرر متعدٍ، فدرء المفاسد مقدم على جلب المنافع.
فعلى الناصح أن يكرر نصحه سرًا، وأن يتحرى الأوقات المناسبة، والفرص السانحة، فلكل مقام مقال، ولكل شأن حال، وعليه أن لا ييأس ولا يقنط.
أما المسار الثالث وهو ما يتعلق بالمخالفات الشرعية المتفق عليها وليس المختلف فيها، نحو الممارسات الشركية، وإقامة الحدود، وتحريم الربا، وصور البدع، والموالاة الكفرية، والمسكرات والمخدرات، ونحو ذلك، ينبغي أن ينصح فيها ولاة الأمر سرًا ومرارًا وتكرارًا، ولكن إن لم تُجْدِ هذه المناصحة ولم تفد هذه المسارّة مع تفشي هذه المخالفة وانتشارها وظهورها، فلا مانع من الجهر بمناصحته ونصره على نفسه، وعونه على أداء واجبه، والقيام بمسؤولياته، حتى لا يعم الخراب ويظهر الفساد، وندعو ولا يستجاب.
إن لم يكن إلا الأسنة مركبًا فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وفي حالات كثيرة جدًا يكره المرء إكراهًا ويحمل حملًا حيث لم تكن مندوحة عن الأمر، ولهذا قيل:"مكره أخاك لا بطل".
ومن فضل الله علينا أن مراتب الإنكار ثلاثة: باليد، واللسان، والقلب؛ فمن جاهد بأي جارحة من هذه الجوارح الثلاث فهو مؤمن.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
وعن ابن مسعود البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أوليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم".
الذي جعل هؤلاء النفر يشددون النكير على إخوانهم الذين يرون أنه من الواجب عليهم المناصحة والأمر والنهي، ربطهم بين الأمر والنهي للحكام والخروج عليهم، وليس هناك من علاقة بين الأمرين.
فالأمر والنهي مطلوب من العلماء لإخوانهم الحكام مرغوب فيه محذر أشد التحذير من التقصير والتهاون فيه، والخروج على الحكام منهي عنه.
وهذا من قواعد مذهب أهل السنة، ومن الثوابت التي لا يجادل فيها أحد عنده أدنى معرفة بمذهب السلف، إلا في حال الكفر البواح الذي ظهر فيه الدليل ولاح، وحتى في هذه الحال لا يجوز الخروج المسلح ولا يحل إلا إذا أمنت الفتنة، وإلا إذا ترجح الإصلاح على الإفساد، فدرء المفاسد مقدم على جلب المنافع، وإمام غشوم ظلوم خير من فتنة تدوم، كما هو معلوم من أبجديات الدين.
فمنع الأمر والنهي سواء كان سرًا أوجهرًا إذا التزمت الحكمة، وروعيت المصلحة، وخلصت النية، لا مبرر له أبدًا، وهو خوف في غير محله، والسكوت عن الأمر والنهي مع تفشي المخالفات وظهورها من المهلكات.
والحكام ليسوا كلهم سواء في هذا العصر، فمنهم من يُحَكِّم شرع الله وليس لهم دستور ولا قانون سواه، ومنهم من يعلن أنه يحكم بشرع الله ويقيم حدوده، ومنهم من يعاديه ويتحاكم إلى دستور وضعي وقانون مستمد من القوانين الفرنسية والهندية وغيرها، فهل يستوون؟