فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 1363

قال: وينفلت منهم - أي من قريش - أبوجندل بن سهيل بن عمرو فيلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عَِصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم.

فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم).

قال ابن عبد البر: (وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتم ألفاظ وأكمل سياقه. قال: وكان أبوبصير يصلي لأصحابه، وكان يكثر من قول: اللهُ العلي الأكبر، من ينصر الله فهو ينصره؛ فلما قدم عليهم أبوجندل، كان هو يؤمهم، واجتع إلى أبي جندل حين سمع بقدومه ناس من بني غفار، وأسلم، وجُهينة، وطوائف من العرب، حتى بلغوا ثلاثمائة، وهم مسلمون، فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها؛ قال: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه، ومن معهما من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم، فقدم كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي جندل وأبوبصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يقرأه وهو فرح به، فدفنه أبوجندل مكانه وصلى عليه وبنى على قبره مسجدًا) .

قلت: في عدم كتابة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل ذلك إقرار لهم على صنيعهم هذا، ولكن بعد أن فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا لم تكن هناك حاجة لمقاومتهم تلك، لأن راية الجهاد كانت مرفوعة في المدينة، وكانت غزواته وسراياه تجوب الجزيرة العربية.

ليس في بناء أبي جندل مسجدًا على قبر أبي بصير دليل على مشروعية البناء على القبور، لأن هذا كان قبل النهي عن ذلك، فلم يكن أبو جندل يعلم نهيًا عن ذلك وإلا لما أقدم على هذا العمل.

قال ابن عبد البر: قال أبوجندل وهو مع أبي بصير:

أبلغ قريشًا من أبي جندل أني بذي المروة بالساحل

في معشر تخفق أيمانُهم بالبيض فيها والقنى الذابل

يأبون أن تبقى لهم رفقة من بعد إسلامهم الواصل

أويجعل الله لهم مخرجًا والحق لا يُغلب بالباطل

فيسلم المرء بإسلامه أويُقتل المرء ولم يأتلِ

قلت: جزى الله أبا بصير وأبا جندل وإخوانهما عن الإسلام خير الجزاء، وجزى الله الإسلام عنا وعنهم خير الجزاء، فقد سنوا هذه السنة الحميدة وهي مقاومة الكفار بالوسائل المتاحة، وكانوا سببًا في مشروعية حرب العصابات وحرب الاستنزاف والمقاومة هذه التي يخوضها الأبطال هذه الأيام في عدد من بقاع الإسلام، بعد أن خذلهم إخوانهم، وتخلت الجيوش الإسلامية عن واجبها، وركن جُلُّ الحكام إلى الكفار، واستكانوا لهم، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فقد صلح أول هذه الأمة برفع راية الجهاد، وبالتضحيات، وبالعمليات الجهادية التي سنها كذلك البراء بن مالك وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهما، وغيرهما كثير، ومن قبل غلامُ أصحاب الأخدود، فلا نامت أعين الجبناء، ولا تهنا بالعيش المخذلون التعساء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلوات ربي وسلامه على نبينا الضَّحوك القتَّال القائل:"وجعل رزقي تحت ظل سيفي، وجعل الصَّغار على من خالف أمري".

احذروا الركون إلى الكفار"ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النار"

لم يواجه الإسلام عقيدة وشريعة منذ عهد أبينا آدم عليه السلام وإلى اليوم خطرًا أشد ولا أكبر مما يواجهه اليوم، حيث لم يُستهدف الإسلام كما استهدف اليوم، فالحرب الصليبية اليهودية التي تقودها أمريكا في هذا العصر ليست حربًا عسكرية ولا اقتصادية فحسب، بل هي حرب عقدية، وثقافية، وحضارية، وسلوكية، واجتماعية، ويخطئ من يتوهم أن هدف الكفار من تلك الحرب الصليبية الشرسة هو القضاء على الإرهاب ممثلًا في تنظيم القاعدة وحكومة الطالبان لإيوائها لقادة القاعدة، أو لتخليص العالم من أسلحة الدمار الشامل، ومن أجل ذلك غزوا أفغانستان والعراق واستعمروهما، وليس كذلك هو تأمين إسرائيل والهيمنة على مصادر النفط العربي فحسب، بل هدفها القضاء على الإسلام، إسلام الوجه واليد واللسان، هدفها كل مسلم معتد بدينه، معتصم بربه.

هدفها محاربة العقيدة الصحيحة، والدفاع عن الشرك، وحماية الوثنيات القديمة، والمحافظة عليها وبثها من جديد، ومحاولة إرجاع الناس إليها، فإخراج الناس سيما المسلمين من النور إلى الظلمات مطلب أساسي من إشعال هذه الحرب وتوسيع دائرتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت