لقد أثبتت حرب المقاومة فعاليتها ونجاحها، وآتت ثمارها عندما مارسها الهندوس والبوذيون والشيوعيون الذين لا يرجون لله وقارًا، وأذلوا عن طريقها غطرسة وكبرياء الجبابرة والمتكبرين من الغزاة الغاشمين في فيتنام وغيرها من البلدان، ألا تؤتي ثمارها لدى المؤمنين الموحدين الذين يستمدون النصر من رب العالمين؟!
لم يتفوق المسلمون على الكافرين والمنافقين في جُلِّ المعارك التي خاضوها مع قوى الشر والطغيان في القوى المادية، عتادًا كانت أم رجالًا:"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"، بل عندما اغتر المؤمنون بكثرتهم هُزمُوا:"ويوم حُنَيْن إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا".
لعلمهم أن النصر من عند الله عز وجل:"وما رميتَ إذ رميتَ ولكن الله رمى"، وأن الله ينصر من ينصره ويؤيد من يؤيد دينه، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يوصي جنده بقوله:"أنا من ذنوبكم أخوف عليكم من عدوكم".
صُلحُ الحديبية كانت حقيقته وباطنه رحمة للمؤمنين الموحدين، وظاهره ظلم وتعد على المستضعفين الذين حيل بينهم وبين الهجرة إلى المدينة، دار الإسلام، ولذلك ضاق بهذا الصلح طائفة من المتضررين منه ذرعًا، وشرعوا في مقاومة المشركين والنيل منهم، وشنِّ غارات على قوافلهم التجارية، والاستيلاء عليها، وقد تم لهم ذلك بقيادة بطلين من أبطال الإسلام وفارسين من فرسانه هما أبو بصير وأبو جندل رضي الله عنهما، ومن انضم إليهما من المسلمين، فكان ما قام به هؤلاء أول حرب مقاومة، واستنزاف، وعصابات ضد المشركين المتكبرين الظالمين الأشرار في الإسلام، فلأبي بصير وأبي جندل رضي الله عنهما أجر وثواب كل مقاومة قام ويقوم بها من بعدهم إلى أن تقوم الساعة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، لأنهما أول من سنا هذه السنة الحسنة، وسارا بهذه السيرة المرضية، وزرعا الرعب في نفوس الجبناء من الكفار، وأرهبا عدو الله وعدوهم، ودلا على سبيل المقاومة عندما يتراجع عن الغزو والجهاد المتراجعون، ويتقاعس عن ذلك المتقاعسون، ويُخذِّل عنه المخذِّلون.
عندما قال مفاوض المشركين في الحديبية ساعتئذ سهيل بن عمرو وكان مشركًا:"على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا"، قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟!
فبينما هم كذلك إذ جاء أبوجندل بن سهيل بن عمرو يَرْسَفُ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهل - أبوه: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليَّ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنا لم نقض الكتاب بعد"، قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فأجزه لي"، قال: ما أنا بمجيزه لك؛ قال:"بلى فافعل"، قال: ما أنا بفاعل؛ قال مكرَز: بلى قد أجزناه لك؛ قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلمًا، ألا ترون ما قد لقيت؟! وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله.
وفي رواية لابن كثير كذلك: فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، وقال: يا محمد، قد لجَّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا؛ قال:"صدقت"، فجعل - سهيل - ينتره بتلبيبه ويجره، يعني يرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرَدُّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فزاد ذلك الناس على ما بهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم."
قال: فوثب عمر بن الخطاب إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب؛ قال: ويدني قائم السيف منه، قال: يقول عمر: رجوتُ أن يأخذ السيف فيضرب أباه! قال: فضنَّ الرجل بأبيه، ونفذت القضية).
وعن أبي بصير رضي الله عنه قال ابن كثير: (ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبوبصير، رجل من قريش، وهو مسلم، أرسلوا في طلبه رَجُلين، فقالوا: العهد الذي جعلتَ لنا؛ فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيد؛ فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت؛ فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه؛ فأمكنه منه، فضربه به حتى برد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه:"لقد رأى هذا ذعرًا"، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتِل واللهِ صاحبي وإني لمقتول؛ فجاء أبوبصير، فقال: يا نبي الله، أوفى الله ذمتك، قد رددتني ثم أنجاني الله منهم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ويل أمه مِسْعَرَ حرب لو كان له أحد!"، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر.