والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين الطيبين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا تعقيب على ما نشر بتاريخ 15 - 20 من ذي القعدة 1425هـ، الموافق 27 من ديسمبر 2004 - 2 يناير 2005م، الأعداد رقم 615-621 من جريدة الحياة، تحت باب"الجرح والتعديل"لعبد الهادي عبد الباسط بعنوان:"السلفيون الجدد وفتاوى الفتنة".
مآخذ عامة
لي مآخذ وملاحظات عامة على ما ورد في تلك المقالات، أود التنبيه عليها، وهي:
أولًا: عمَّم الكاتب في مقالاته تلك ليشمل كل السلفيين، ولا شك أن السلفيين متفاوتون أشد التفاوت، ومختلفون اختلافًا كبيرًا، مثلهم كمثل غيرهم من الناس، فلو قال: بعض السلفيين، أونفر منهم، أوسمى، ربما كانت له مندوحة في بعض ما ذهب إليه، أما التعميم ففيه ظلم وإجحاف وتعدٍ على الأبرياء، وهو يوقع الكاتب في الوعيد الذي ورد في الحديث الصحيح:"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"، ويشمله من أجل ذلك ما حذر منه الحافظ ابن عساكر إخوانه المسلمين تهجم البعض على العلماء وطلاب العلم، حيث قال:"اعلم أخي وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب:"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أويصيبهم عذاب أليم"."
وإن لم يكن العلماء هم الأولياء فليس لله ولي، كما قال الإمامان أبوحنيفة والشافعي رحمهما الله.
ثانيًا: القسوة والحقد، اللذان طفحت بهما مقالات الكاتب ضد السلفيين، في مقابل التسامح والرحمة والعطف مع الكفار، ذميين ومحاربين، بل ومنصرين.
1.نحو قوله: (ويجب عليهم أن يفرقوا جيدًا بين"الصليبية"و"المسيحية"، لأن الصليبية هي حركة سياسية عنصرية تتخذ من المسيحية منطلقًا لتحقيق أهداف استعمارية تخدم مصالح دول كبرى تخدع"بسطاء المسيحيين"، وتحارب المسلمين، أما المسيحية فهي ديانة سماوية يعترف بها الإسلام) .
أقول:
• الصليبية والمسيحية وجهان لعملة واحدة، وعلينا أن نطلق على هذا الفريق من كفار أهل الكتاب المصطلح القرآني وهو"النصارى"، أو"الكفار"، لا مسيحيين، ولا صليبيين، ولا غربيين؛ والدليل على عدم صحة هذا التفريق أن الحرب الصليبية التي يدور رحاها الآن في العالم الإسلامي التي بدأت بغزو أفغانستان والعراق، شُنت تحت مظلة"الاتحاد اليهودي المسيحي"كما جاء في خطاب بوش أمام الكونغرس بتاريخ 29/1/2002م.
• ثم من أين لك أن الإسلام اعترف بالمسيحية كدين إلى الآن؟ القرآن والسنة أخبرا بأن اليهودية والنصرانية كانتا ديانتين سماويتين، ولكن اليهودية نُسخت ببعثة عيسى عليه السلام، والنصرانية نُسخت ببعثة محمد عليه السلام، وبينا أن الدين عند الله هو الإسلام:"ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه"، ولا يردُّ على ذلك أن أهل الكتابين خصوا ببعض الأحكام عن المشركين، فكلهم كفار بحكم الله:"لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين"،"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة"، وقال صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، ما يسمع بي من يهودي ولا نصراني ثم لا يتبعني إلا أكبه الله في النار"أوكما قال؛ ولهذا ليس بيننا وبين هؤلاء الكفار إلا الكلمة السواء:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون"، حكمت على بطلان كل الدعاوى الكاذبة نحو: تقارب الأديان، أواتحادها، أوالحزب الإبراهيمي، وما شاكل ذلك.
2.ونحو قوله مبررًا كفر كثير من مسيحيي السودان: (ويجب عليهم أن يعلموا أن كثيرين من مسيحيي السودان هم أناس مساكين بسطاء، ولم يبلغهم أحد أن هناك"دين حق"اسمه الإسلام، وهم يعتقدون أن دينهم الذي يعرفونه هو الدين الحق) .
ونقول لأخينا: أنت المسكين الطيب المجامل للكفار، المتشدد المتعنت مع إخوانك السلفيين، ولو دققت النظر لانتبهت للتخطيط والعمل الدؤوب الذي يقوم به فريق منهم.
أما أنه لم يبلغهم أحد أن الإسلام هو الدين الحق الناسخ لغيره فهذا غير صحيح، فقد بُلغوا، ولكن التعصب للآباء والأجداد هو المانع لهم من قبوله.
وثمة شيء آخر، وهو أنه يجب على كل من سمع بهذا الدين أن يتعرف على حقيقته، ويبحث فيه، كما فعل سلمان الفارسي، وأبوذر الغفاري، والطفيل بن عمرو الدوسي، فقد هاجروا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقطعوا الفيافي، وسعوا إلى الهداية في الماضي، وكما فعل بعض المهتدين من الكفار في هذا العصر، حيث اهتدوا إلى الإسلام عن طريق البحث والسؤال.