فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 1363

خرَّج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اشترى رجل من رجل عقارًا، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جَرَّة فيها ذهب، فقال الذي اشترى العقار: خذ ذهبك، أنا اشتريت منك الأرض، ولم أشتر الذهب؛ وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها؛ فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: نعم؛ وقال الآخر: لي جارية؛ قال: أنكحا الغلام الجارية، وأنفقا على أنفسهما منه؛ فانصرفا".

هذه القصة لا يكاد المرء يصدقها لولا أنها خرجت من في من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وقد أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته للتخلق بما جاء فيها، ولتقتدي بهذه الفعال الفاضلة والأخلاق النادرة، وتنال من هذا الورع الأصيل.

لا يدري المرء أيكون عجبه أشد بهذين البائعين الورعين الصادقين، أم بهذا القاضي الذي حكم بينهما هذه الحكومة الموفقة، التي تحرى فيها العدل والحق، وحكم فيها بالصدق؟!

على التجار أن يتقوا الله في أنفسهم، وفي أهليهم، وأن لا يكونوا فتنة للذين آمنوا ولا للذين كفروا.

وليعلموا أن أسلافهم فتحوا وغزوا قلوب العباد بأخلاقهم الحسنة ومعاملتهم الكريمة، قبل أن يفتحوا تلك البلاد.

وليحذروا من تقديس الدنيا وحرمان التقوى، وأن يكون تعامل الكفار أحسن من تعاملهم، وليعلموا أن الدين المعاملة، ولينفروا من أن يكونوا مثل أكلة الربا والسحت من إخوان القردة والخنازير الملعونين على ألسنة رب العالمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد القائل:"لن تموت نفس حتى تكتمل رزقها"، أوكما قال.

من الصفات الذميمة، والأخلاق اللئيمة، التي تفشت في مجتمعات المسلمين عامة في هذا العصر، وفي مجتمعنا السوداني بصفة خاصة، خلف الوعد، والذي عده رسولنا صلى الله عليه وسلم علامة من علامات النفاق، وآية من آياته، وسمة من سمات سوء الأخلاق، فقال:"آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".

ورسولنا الكريم عليه الصلاة وأتم التسليم لم يأمر بشيء إلا كان أول العاملين له، ولم ينه عن شيء إلا كان أول المنتهين عنه، وكان يعلِّم أصحابه بأفعاله وتصرفاته قبل أقواله، ولهذا كان هو وأبوه إسماعيل عليهما السلام آية في صدق الوعد، حتى عرفا بذلك واشتهرا به:"واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًا".

قال القرطبي رحمه الله في تفسيرها:(وخصَّه الله تعالى بصدق الوعد وإن كان موجودًا في غيره من الأنبياء تشريفًا له وإكرامًا، كالتلقيب بنحو الحليم، والأواه، والصدَِّيق، ولأنه المشهور المتواصف من خصاله.

إلى أن قال:

واختلف في ذلك، فقيل: إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح فصبر حتى فدي، وقيل: وعد رجلًا أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر الرجلَ يومه وليلته، فلما كان في اليوم الآخر جاء، فقال له: ما زلت هاهنا في انتظارك منذ أمس، وقيل: انتظره ثلاثة أيام، وقد فعل مثله نبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، ذكره النقاش، وخرجه الترمذي وغيره عن عبد الله بن أبي الحَمْساء قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة، فجئتُ، فإذا هو في مكانه، فقال:"يا فتى، لقد شققت عليَّ، أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك").

كانت العرب في جاهليتها قبل الإسلام تمدح بصدق الوعد، وتذم وتهجو بخلف الوعد، وكان عرقوب بن سعيد التميمي مضرب أمثال العرب في خلفه المواعيد، حتى قال كعب بن زهير رضي الله عنه:

أضحت مواعيد عرقوب لها مثلًا وما مواعيدها إلا الأباطيل

وكان السموأل بن عاديا مضرب المثل عندهم في الوفاء بالوعود، وحفظ الأمانة، ومما جاء في ذلك من أشعارهم:

وأراك تفعل ما تقول وبعضهم مَذِق اللسان يقول ما لا يفعل

و:

متى ما يقل حر لصاحب حاجة نعم يقضها والحر للوأى ضامن

فخلف الوعد حرام، ومن الكبائر، وهو من باب الكذب البين.

وخلف الوعد قبيح من كل مسلم، ولكن قبحه أشد إذا صدر من أهل العلم والفضل، والإكثار من المواعيد مظنة لخلف الوعد.

ومما يؤسف له أن خلف الوعد عن حضور الاجتماعات في الوزارات، والمجالس، والهيئات، والشركات، والاجتماعات العامة، والتأخير الكثير في حضور من حضرها، أصبح من المظاهر السيئة المألوفة، ومن العادات القبيحة المعهودة.

وبدلًا من أن يُعاقب هؤلاء ويحاسبوا ويثرب عليهم يقع العقاب على من التزم بالمواعيد ووفى بها، حيث ينتظر الساعات الطوال، وفي بعض الأحيان يُفض الاجتماع وتحدد له مواعيد أخرى، وفي الغالب فإن سلوك المجتمعين في المواعيد الجديدة لا يختلف كثيرًا عن سلوكهم الأول، ويندر أن يكون هناك اعتذار مسبق، ومما يؤسف له كذلك أن من وفى بوعده شُبِّه بالكفار، بدلًا من أن يمدح باقتدائه بالأنبياء والسلف الصالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت