فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 1363

أما المطالبة بالاعتراف بالآخر الذي يتمسك بتلك الزلات والهفوات، ويرد بها الأخبار الصحيحة المتواترة، فهذا من باب الظلم والجهل بمقاصد الشريعة.

فالذين يلومون في ذلك هم أولى باللوم، ويصدق عليهم قول القائل:"رمتني بدائها وانسلت".

فثبت أن مرادهم بالاعتراف بالآخر الاعتراف بـ:

1.الملل الكافرة، والأديان المحرفة المنسوخة.

2.بالكفر والضلال.

3.بالبدع والمحدثات.

4.بالفجور والفسوق.

5.بالتحلل والتفسخ من الثوابت.

6.المداهنة والمنافقة.

7.بموالاة من أمرنا الشارع بمعاداته، وهجره، وإبعاده.

8.بالأخذ بالسقطات والزلات.

ألا يدل ذلك كله على أن المراد برفع هذا الشعار هو التلبيس، والتدليس، وطمس الحقائق، ونصرة الباطل، على العكس والنقيض مما أرشدنا إليه نبينا.

انصر أخاك ظالمًا أومظلومًا

فإن كان مظلومًا نصرته ممن ظلمه، وإن كان ظالمًا أخذت بيده ونهيته عن الظلم، فذلك نصرك إياه، كما جاء في الحديث الصحيح، أما أن تنافقه، وتجامله، وتداهنه على حساب الشرع، فهذا لا يحل.

فالاعتراف بالآخر مهما كان نوعية هذا الآخر، ومهما كان الصادر منه كفرًا، وضلالًا، وفسقًا، وفجورًا، مناقضٌ لهذا التوجيه النبوي.

وثمة آخر، وهو أن الآخر هذا إما أن يكون على حق فلا يضره رفض الآخرين له، وإما أن يكون على ضلال وخطأ فلا تنفعه موافقة جميع الخلق، بل تزيده خبالًا على خباله، بدخوله في الوعيد:"ومن سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا"، كما صحَّ بذلك الخبر.

الدعوة إلى الاعتراف بالآخر وإن كان كافرًا، أومبتدعًا، أوفاسقًا، وإن كان ما جاء به كفر، وضلال، وخطأ، مخالف لما كان عليه سادات العلماء المقتدى بهم، أمثال الحسن، وأيوب، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم كثير، إذ لم يقف هؤلاء عند عدم الاعتراف بالآخر، بل تعدوه إلى اللعن، والهجر، والطرد.

• ... روي عن الحسن وأبي حنيفة أنهما قالا عن المعتزلي عمرو بن عبيد:"لعنه الله، ما أزهده"، فلم يمنعهما الاعتراف بزهده عن لعنه وطرده من رحمة الله.

• ... وطرد مالك أحد تلاميذ عمرو بن عبيد شر طردة من مجلسه، وقال له:"ما أراك إلا ضالًا"، وأمر بإخراجه من مجلسه.

• ... ورفض أيوب السختياني مجرد الاستاع لآية أوحديث من مبتدع، وعندما قال له المبتدع: اسمع مني كلمة؛ قال له:"ولا نصف كلمة، إما أن تقوم وإما أن أقوم".

• ... وزجر الشافعي حفصًا المعتزلي ولعنه، وقد جاء لعيادته، عندما قال له: عرفتني يا أبا عبد الله؟ قال له:"لا عرفك الله، ولا حيَّاك، ولا بيَّاك".

• ... ومنع عمر بن عبد العزيز دخول شعراء المبتدعة المتزلفين عليه، أمثال الفرزدق وجرير.

• ... ومن قبل جلد عمر وحبس صبيغًا لمجرد سؤاله عن المتشابه من القرآن، الذي لا يتعلق به حكم من الأحكام الشرعية، نحو سؤاله عن"الذاريات".

ولولا خوف الإطالة لأتينا بالعديد من النماذج التي تبين فساد هذا الادعاء وبطلانه، وأن عدم الاعتراف والرجوع إلى قول الآخر إذا كان مناقضًا للدين ومخالفًا للدليل الصحيح الصريح قربى إلى الله عز وجل.

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلًا وجنبنا اتباعه، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم وبارك على محمد القائل:"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".

أظهرت الأعمال الكفرية التي حثت عليها ونشرتها إحدى الصحف الدينماركية، وتناقلتها بعض الصحف في عدد من الدول الأوربية، أن الصنم الذي يعبده الكفار وطائفة من المنتسبين إلى الإسلام هو حرية الفكر، حيث برر المسؤولون في ديار الكفر لهذا العمل الإجرامي بحرية الفكر، وأنه لا ينبغي للدولة أن تحجر على أحد فيما يود نشره، ولو كان ماسًا بسيد الأنبياء والمرسلين.

وليت القوم صادقون في هذا الادعاء، وليتهم أوفياء لإلههم"حرية الفكر"، ولكن دلت التجارب أنهم يشركون معه الصنم الأكبر، والإله الأخطر، الهوى:"أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا".

والأدلة على كذب هذا الافتراء لا تحصى كثرة، يمثل ذلك:

1.اغتصاب اليهود لفلسطين.

2.غزو أمريكا وأذنابها لأفغانساتان والعراق.

3.حظر امتلاك الأسلحة النووية على المسلمين وإباحة ذلك للربيبة إسرائيل.

4.منعهم المسلمين من رفع الأذان بمكبرات الصوت في أمريكا وأوروبا.

5.منع وزير التعليم الفرنسي لفتاة مسلمة من دخول الجامعة لأنها غطت رأسها بفوطة.

6.التعتيم الإعلامي، متمثلًا في ضرب أمريكا لمكتبي قناة الجزيرة في كل من بغداد وأفغانستان.

7.رفع شعار معاداة السامية لكل من يعادي اليهود قتلة الرسل وأعداء الملة والدين.

وهذه مجرد أمثلة، ولو استرسلنا في إيراد المواقف التي تدل على سقوط الكفار في رفع شعار صنم الديمقراطية وحرية الفكر لاحتجنا إلى صفحات وصفحات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت