فهرس الكتاب

الصفحة 852 من 1363

أول من سن التأريخ بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة الخليفة الراشد والإمام العادل عمر بن الخطاب، وكان ذلك في السنة السادسة عشرة من الهجرة في خلافته، وقد عمل ذلك بمشورة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماعهم؛ ولو كان الاحتفال بالهجرة مشروعًا من قبلُ لما غفل عنه عمر، ولو كان سنة لفعله هو، إذ عمل الخلفاء الراشدين سنة؛ فلو كان خيرًا لما غفل عنه هؤلاء الأخيار وانتبه إليه الخلوف من الأمة في القرون المتأخرة، ولو كان مشروعًا لما سبق إليه المتأخرون وتركه الأولون، فدلّ ذلك على أن الاحتفال بالهجرة واتخاذ ذلك عيدًا وعطلة لا أصل له في الدين، ومن ثم فهو بدعة ومحدث، وقد أعلمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن كل بدعة ضلالة، وأن من أحدث في الدين ما ليس منه فعمله مردود عليه، لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا، بل سيؤاخذ بابتداعه هذا، وبتقليد الناس له، بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا".

اعلم أخي المسلم أن هذا العلم دين فانظر ممن تتلقى دينك، ولا تكن إمعة تقول: إن أحسن الناس أحسنتُ وإن أساءوا أسأتُ، ولكن وطِّن نفسك على اتباع الحق، فالخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع؛ اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.

الفرح والسرور والتوسعة على العيال في يوم عاشوراء

كذلك من البدع التي أحدثها بعض المتأخرين من المسلمين: الفرح، والسرور، والتوسعة على العيال، والاختضاب، والاكتحال، والاغتسال في يوم عاشوراء؛ إذ لم يصح في ذلك كله حديث صحيح ولا ضعيف، ولم يؤثر في ذلك عمل من أحد ممن يقتدى به، فيجب علينا الانتهاء عن جميع ذلك، وأن نكتفي بصيامه كما صامه أسلافنا، وصيام التاسع معه مخالفة لأعداء الملة والدين، اليهود الملعونين على ألسنة الأنبياء والمرسلين والصالحين .

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي:(وكل ما روي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء والاختضاب والاغتسال فيه فموضوع لا يصح.

وقال: وأما التوسعة فيه على العيال، فقال حرب: سألت أحمد عن الحديث الذي جاء:"من وسَّع على أهله يوم عاشوراء"، فلم يره شيئًا؛ قال: وقول حرب أن أحمد لم يره شيئًا إنما أراد به الحديث الذي يروى مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يصح إسناده، وقد روي من وجوه متعددة لا يصح منها شيء، وممن قال ذلك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال العقيلي: هو غير محفوظ، وقد روي عن عمر من قوله، وفي إسناده مجهول لا يُعرف .

إلى أن قال عن الأثر:"من وسَّع على عياله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته": رواه سفيان بن عيينة، عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد المنتشر، وكان من أفضل أهل زمانه، أنه بلغه أنه من وسَّع على عياله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته.

قال ابن عيينة: جربناه منذ خمسين سنة أو ستين، فما رأينا إلا خيرًا) .

قلت: التجارب لا يحكم بها، وهي ليست مصدرًا من مصادر التشريع، وإنما تثبت العبادات والأحكام الشرعية بالدليل: بالقرآن، والسنة، والإجماع؛ وقد يكون جرَّب ذلك الكثير من الناس ولم يروا الذي رآه ابن عيينة رحمه الله، فكيف تكون التجربة دليلًا لإثبات عبادة وقربى من القربات؟!

اتخاذ يوم عاشوراء يوم مأتم وعويل وحزن

من البدع المنكرة والعادات الذميمة مايفعله الشيعة ـ الرافضة ـ في هذا اليوم من البكاء والعويل، وضرب الخدود، وشق الجيوب، تغطية لخذلان أسلافهم للحسين بن علي رضي الله عنهما، وتخليهم عن الدفاع عنه، بعد أن كاتبوه ووعدوه بالنصرة، كما فعلوا مع أبيه وأخيه الحسن رضي الله عنهما من قبل، بل منهم من حمل السلاح عليه وقاتله .

قال ابن رجب الحنبلي: ( وأما اتخاذه مأتمًا كما تفعله الرافضة لأجل قتلة الحسين بن علي رضي الله عنهما فيه، فهو من عمل من ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتمًا، فكيف بن دونهم ؟ ) .

قلت: لقد أمرنا الله عند وقوع المصائب أن نحمد الله ونسترجع:"الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون".

أيُّ مصيبة حلت بالحسين؟ لقد أكرمه الله بالشهادة، وهو في أعلى الجنان، بل هو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ابتلاه الله عز وجل بذلك ليرفع درجته، ويكرم نزله، ويعلي شأنه، كما أعلى شأن أبيه وأخيه .

فالحمد لله الذي عافى أهل السنة من هذا الصنيع القبيح، ومن هذا الفعل المشين، ونسأل الله أن يديم على الرافضة الأحزان والأتراح، وأن يجعل أيامهم كلها مآتم، بسبب خذلانهم لآل البيت، وسبهم وانتقاصهم لخيار الصحابة، وما جرّوه على المسلمين من نكبات ومصائب بتعاونهم مع الكفرة والملحدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت