كل هذا أفضل له من السداد بالحسنات والسيئات، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات من ظلمهم وطرحت عليه، ثم طرح في النار، كما أخبر الصادق المصدوق:"كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به"،"إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا"،"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ".
قال القرطبي رحمه الله:(قال علماؤنا: إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من ربا فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضرًا، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه، وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه، فإن التبس عليه الأمر ولم يدر كم الحرام من الحلال فيما بيده، فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده، حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له، فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عُرف ممن ظلمه أوأربى عليه، فإن أيس من وجوده تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدًا لكثرته، فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع، إما إلى المساكين، وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس، وهو ما يستر العورة، وهو من سرته إلى ركبتيه، وقوت يومه، لأنه الذي يجوز له أن يأخذه من مال غيره إن اضطر إليه، وإن كره ذلك من يأخذه منه، وفارق هاهنا المفلس في قول أكثر العلماء، لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء، بل هم الذين صيروها إليه، فيترك له ما يواريه، وما هو هيئة لباسه، وأبو عبيدة وغيره يرى أن لا يترك للمفلس من اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة، وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته.
ثم كل ما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا، حتى يعلم هو، ومن يعلم حاله أنه أدى ما عليه).
وما أخذ من المال العام بغير وجه حق، قل أم كثر، ولو كان مسواكًا، هو أشد حرمة وأعظم إثمًا لأنه تعدى فيه على حقوق جميع الأمة، وكان في ذلك من المفسدين في الأرض، الظالمين للخلق.
ولا يحل ذلك إذن الحاكم أوالمسؤول، لأنه لا يملك هذا، وإنما هو وكيل عن الأمة وخليفة عن الله عز وجل، وإثم الحاكم الذي يعطي من لا يستحق العطاء، أويعلم ويسكت ولا يحاسب على ذلك، لا يقل من إثم الآخذ إن لم يزد عليه.
فليحذر الحكام الذين يتخوضون في مال الله بغير حق، وليتذكروا وقوفهم بين يدي العزيز الجبار، وليسمعوا إلى ما قاله عمر رضي الله عنه لغلامه في موسم من مواسم الحج: كم أنفقنا في هذا الموسم؟ فقال له: سبعة عشر درهمًا؛ فقال له: ويحك، لقد أنهكنا بيت مال المسلمين؛ وقد حج عشر حجج، وكان إمام المسلمين، وكان منزله تحت شجرة.
وليكن لهم القدوة في عمر بن عبد العزيز، الذي لم يخلف بعده إلا عددًا من الدراهم لا يتجاوز أصابع اليدين والرجلين.
اللهم إن لك علينا حقوقًا كثيرة، فما كان لك فاغفره لنا، وما كان لخلقك فتحمله عنا، اللهم إنا أطعناك في أحب الأمور إليك وهو التوحيد، ولم نعصك في أبغض الأمور إليك وهو الشرك، فاغفر لنا ما دون ذلك.
وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، محمد بن عبد الله صادق الوعد الأمين، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين.
لم يكتف البعض بطاعة الشيطان، وموالاته، وتزيينه الباطل، على الرغم من تحذير الله لنا، وتذكيرنا بعداوته الأبدية:"إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا".
وعلى الرغم كذلك من خذلان الشيطان وخداعه لأوليائه السابقين واللاحقين:"وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".