فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 1363

لقد خذل المسلمون، إلا من رحم ربك، إخوانهم المجاهدين والمضطهدين في كل مكان، وأسلموهم إلى عدوهم، ولم يراعوا فيهم وصايا الله ورسوله، ولا حقوق الأخوة الإيمانية، فهل سلكوا معهم أضعف الإيمان إذ ليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان، وهو الدعاء لهم بظهر الغيب، سيما في هذا الشهر الكريم، فالدعاء سلاح المستضعفين، وعدة المضطهدين، وقد وعد الله بإجابته من عباده المخلصين، فليس هناك شيء أكرم على الله من الدعاء.

المجاهدون والمقاومون للكفار والغزاة في أمس الحاجة لدعاء إخوانهم المسلمين، والدعاء لهم ذو شقين:

1.دعاء لهم أن يثبت الله أقدامهم ويسدد سهامهم وآراءهم.

2.ودعاء على أعدائهم أن يجعل كيدهم في نحورهم، وتدميرهم في تدبيرهم.

كان المجاهدون الأول يستحبون أن يشرعوا في القتال عند الزوال يوم الجمعة ليقينهم أن إخوانهم المصلين يشركونهم في دعائهم.

قال ابن الأثير وهو يؤرخ لمعركة"مَلاذكُرْد"وهي معركة مشهورة جرت بين المسلمين بقيادة"ألب أرسلان"وبين الروم بقيادة"أرمانوس"سنة 463ه:(فلما تقارب العسكران أرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة، فقال: لا هدنة إلا"بالري"؛ فانزعج السلطان لذلك، فقال له إمامه وفقيهه أبونصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال في الساعة التي تكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة.

فلما كان تلك الساعة صلى بهم وبكى السلطان، فبكى الناس لبكائه، ودعا ودعوا معه، وقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف، فما ها هنا سلطان يأمر وينهى؛ وألقى القوس والنشاب وأخذ السيف والدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض وتحنط، وقال: إن قتلت فهذا كفني.

وزحف إلى الروم وزحفوا إليه، فلما قاربهم ترجل وعفَّر وجهه على التراب وبكى وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل، وحملت العساكر معه، فحصل المسلمون في وسطهم، وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون كيف شاءوا، وأنزل الله نصره عليهم، فانهزم الروم، وقتل منهم ما لا يحصى، حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى، وأسر ملك الروم) .

ومما يدل على أن النصر يستنزل بالدعاء ما قاله أسد بن عبد الله القسري أمير خرسان في قتاله للفرس: (إنه بلغني أن العبد أقرب ما يكون إلى الله إذا وضع جبهته لله، وإني نازل وواضع جبهتي، فادعوا الله واسجدوا لربكم وأخلصوا له الدعاء، ففعلوا، ثم رفعوا رؤوسهم وهم لا يشكون في الفتح) .

كيف لا وقد كان رسولنا المؤيد بالوحي يستنزل النصر بالدعاء، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال:"اللهم أنت عضُدي، وأنت نصري، وبك أقاتل".

فالدعاء في قتال الكفار مطلوب من المجاهدين المقاتلين ومن جميع إخوانهم المسلمين، خاصة إثر خطبة الجمعة، وفي القنوت في الصبح والوتر وفي سائر الصلوات إذا دعا الحال.

وينبغي أن يكون دعاء المسلمين لإخوانهم المجاهدين والمقاومين والمرابطين مصاحبًا لمواجهتهم لعدوهم، وطالما أن المقاومة والجهاد في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وكشمير، وغيرها من البلاد المغصوبة مستمر، فعليهم أن لا يقطعوا عنهم الدعاء أبدًا.

لا ينبغي للمسلمين أن يستهينوا بأمر الدعاء، ويستخفوا به، فالدعاء مقرون بالإجابة وبالنصر على الأعداء:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما صنع الدعاءُ

جنود الليل لا تخطي ولكن لها أجل وللأجل انقضاءُ

واحذر موانع الإجابة، التي من أخطرها"دعونا فلم يُستجَب لنا"، فعلينا أن ندعو الله ونحن موقنون بالإجابة، مصدِّقون بوعد الله"ادعوني أستجب لكم".

كذلك علينا أن لا ننسى أمواتنا، فمن أبر البر بهم أن نشركهم في دعائنا، وهذا من حقهم علينا، واعلم أخي المسلم أنك كما تدين تدان، فعما قريب ستكون في عداد الموتى، وتحتاج إلى دعاء غيرك، لقد مدح الله التابعين بإحسان للسابقين من المهاجرين والأنصار:"والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم".

اللهم ارفع علم الجهاد، واقمع أهل الكفر والفسق والعناد، وانشر رحمتك على العباد، واجعلها بلاغًا للحاضر والباد.

اللهم نور على أهل القبور قبورهم، واغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم، يا سميع الدعاء، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، وعلى آله وصحابته الهداة

بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم أود أن ابعث بهذه الرسالة إلى تاركي الصلاة المقرين بوجوبها ممن يدعون الإسلام عسى أن تصادف منهم أذنًا صاغية، وقلوبًا واعية، ومعذرة إلى ربنا، ولعلهم يتقون سيما وأن بعض الناس يصومون ولا يصلون، ومنهم من يصلي في رمضان فإذا انقضى رمضان تركها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت