فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 1363

وقال محمد بن الحسن الشيباني - صاحب أبي حنيفة: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين، وهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة، أونكاية العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عَرَّض نفسه للتهلكة من غير منفعة للمسلمين، فإن كان قصده تجرأة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه لا يبعد جوازه إذا كان فيه نفع للمسلمين، فتلفت النفس لإعزاز دين الله، وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم"، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه، وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

قلت: على الرغم من أن هذه العمليات من النوازل القابلة للاجتهاد، وأنه لا ينبغي لمن لم ير جوازها أن يثرب على من يرى مشروعيتها أوضرورتها، ولا ينبغي أن تقاس على العمليات الانتحارية بحال من الأحوال، فقياسها على العمليات الانتحارية فاسد من عدة وجوه، أهمها اختلاف النية والهدف.

والذي يترجح لدي جوازها بالشروط التي أسلفتها، وذلك لأسباب:

1.للشواهد والمواقف المشابهة لها من بطولات المسلمين في جهادهم للكفار، التي ذكرنا طرفًا منها.

2.أن الضرورات تبيح المحظورات.

3.أنها أضحت الوسيلة الوحيدة المتاحة للدفاع عن الدين، والعرض، والوطن، وعن المستضعفين من بعد تخلي إخوانهم عنهم وخذلانهم إياهم، إذ لا وسيلة غيرها متاحة للمستضعفين.

4.أثبتت جدواها بأن زرعت الرعب والخوف في قلوب الكفار.

5.أن غاية الجهاد بذل النفوس والمهج رخيصة في ذات الله عز وجل، وفي العمليات الاستشهادية تحقيق تام لهذا الهدف.

6.البديل عنها مع هذه الظروف الراهنة الاستكانة والخضوع والانكسار للكفار.

7.عملًا بالقاعدة الجليلة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

هذا مع علمنا التام للمحذورات التي فيها، والتضحيات العظام التي تحدث من جرائها.

والله أعلم بالصواب، وله المرجع والمآب، وصلى الله وسلم على رسولنا القائل:"لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة على الحق، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة"، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام علينا وعلى جميع عباد الله الصالحين، لا ينال سلامنا الكفار والمنافقون.

الحمد لله القائل:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون"، وصلّى الله على محمد القائل:"من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل أو الموت مظانه".

وبعد..

فإن العمليات الجهادية جائزة ومشروعة، بل قد تستحب أو تجب في بعض الأحيان إذا توفرت الشروط الآتية:

• أن يمارسها مسلم.

• أن يكون المسلمون في حال حرب وجهاد، سواء كان جهاد طلب أو جهاد دفاع، كحال المسلمين اليوم في كل العالم سيما في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، والشيشان، وكشمير، وجنوب الفلبين وغيرها.

• أن يبتغي بذلك أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

• أن يتيقن أو يظن ظنًا مؤكدًا أنها تنكي بالعدو وتثخن جراحه.

الأدلة على مشروعيتها بهذه الشروط

الأدلة على مشروعية هذه العمليات الجهادية الاستشهادية إذا توفرت الشروط السابقة كثيرة، وهي:

عامة

من ذلك قوله تعالى:"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"، وقوله:"ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد"، وقوله:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون"، وبعثه صلى الله عليه وسلم رجلًا واحدًا سرية، فعل ذلك مع عدد من أصحابه.

خاصة

أما الأدلة الخاصة فكثيرة جدًا، وسنذكر شيئًا منها، ومن أراد المزيد فعليه بكتاب الشهيد ابن النحاس:

• عندما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه البعض، فرد عليهم عمر وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية:"ومن الناس من يشري نفسه".

• عندما ألقى مدرك بن عوف نفسه في صف العدو، فقال الناس: ألقى بنفسه إلى التهلكة، قال عمر: كذب أولئك ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا.

• ما فعله أنس بن النضر في أحد.

• وروى أحمد بإسناد صحيح:"...ورجل غزا في سبيل الله، فانهزم أصحابه، وعلم ما عليه في الانهزام وما له في الرجوع، فرجع حتى يهريق دمه، فيقول الله: انظروا إلى عبدي، رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى يهريق دمه".

• خرج البيهقي في سننه عن محمد بن سيرين أن المسلمين انتهوا إلى حائط ، قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين، فجلس البراء بن مالك على ترس وقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم؛ فرفعوه برماحهم فألقوه من وراء الحائط، فأدركوه قد قتل منهم عشرة"، قبل أن يُقتل رضي الله عنه."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت