ليس هناك ذل ولا صغار أكبر من أن يتهم المسلم بغير وجه حق، ومن دون بينة، وأن يحاكم خارج بلده بواسطة قضاة كفار، إذ من شروط صحة التقاضي والفصل بين المسلمين أن يكون القاضي مسلمًا عدلًا، لأن الإسلام شرط للعدالة، فالكافر والفاسق لا يليان القضاء في الإسلام، ولا تقبل لهما شهادة على مسلم.
قال الإمام الماوردي رحمه الله:(فلا يجوز أن يكون الكافر قاضيًا على المسلمين، ولا على أهل دينه.
وجوَّز أبوحنيفة تقليده على أهل دينه، وأنفذ أحكامه..
ودليلنا:"حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"، ونفوذ الأحكام ينفي الصغار، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:"الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"، فمنع هذا الخبر من أن يكون في الإسلام ولاية لغير مسلم).
قوله تعالى:"ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا"وعد من الله عز وجل ومن أصدق من الله قيلًا؟ ومن أصدق من الله حديثًا؟! لعلو المؤمنين على الكافرين في الدنيا والآخرة إن هم نصروا الله وأعزوا دينه.
صحَّ عن علي وابن عباس رضي الله عنهما أن هذا الوعد في الآخرة، ولا مانع أن يشمل هذا الوعد الدنيا مع الآخرة.
قال القرطبي حاكيًا عن أبي بكر بن العربي:(إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا منه إلا أن يتواصوا بالباطل، ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة، فيكون تسليط العدو من قبلهم، كما قال تعالى:"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير".
فالله عز وجل لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا شرعًا، فإن وجد فبخلاف الشرع) .
هذا القرار منافٍ للحق والعدل، وجائر شرعًا وعرفًا، وذلك للآتي:
أولًا: تسليم مسلم لكافر محارب، ولعدو حاقد شرس من الذنوب العظيمة والجرائم الكبيرة، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر لا حاكمًا ولا جاسوسًا أن يفدي نظامه أونفسه بواحد من إخوانه المسلمين مهما كانت النتيجة، وإنا نخال أن كل الذي أصابنا بما كسبت أيدينا وبخذلاننا لبعض إخواننا المستضعفين.
يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:"ما من امرئ يخذلُ امرءًا مسلمًا في موطن يُنتقص فيه من عرضه، ويُنتهك من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلمًا في موطن يُنتقص فيه من عرضه، ويُنتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما يرفعه قال:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه قال:"المسلم أخو المسلم لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله".
قال المناوي: (فخذلان المؤمن حرام شديد التحريم دنيويًا كان مثل أن يقدر على دفع عدو يريد البطش به فلا يدفعه، أوأخرويًا كأن يقدر على نصحه من غيه بنحو وعظ فيترك) .
ثانيًا: الشهود منهم كفار ومنافقون وعملاء، فلا تقبل شهادتهم على مسلم، والقضاة كفار فلا يحل لمسلم أن يترافع لديهم أويُحاكم عندهم، ولو كانوا مسلمين عينهم الكفار لما حل محاكمة مسلم عندهم في أرجح قولي العلماء.
ثالثًا: هذا القرار فيه إذلال لجميع المسلمين، وفي تنفيذه والخضوع له عار لا يدانيه عار.
رابعًا: الخصم والعدو هو الحكم، فمجلس الأمن هو الخصم، والحكم محكمة جنائية تابعة لهيئة الأمم التي أضحت أداة في يد صانعي القرار من أعداء الإسلام.
خامسًا: هذا القرار فُصِّل تفصيلًا على محاكمة المسلمين، شريطة أن لا يشمل أحدًا من الرعايا الأمريكيين، وهذا أصدق نموذج لسياسة الغاب التي انتهجتها أمريكا وأذنابها في هذا العصر.
سادسًا: ما أكثر مجرمي الحرب والدمار في هذا العصر، فإن لم يكن شارون، وبوش، وبلير، وشيراك مجرمين بعدما أحدثوه في المسلمين في فلسطين، والجزائر، وأفغانستان، والعراق، فليس هناك مجرم حرب، ولكن صدق القائل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة لكن عين السخط تبدي المساويا
وأخيرًا نذكر إخواننا المسلمين أنه لا ينبغي لأحد في قلبه ذرة من إيمان أن يُسر لهذا القرار - دعك من أن يدفع لتنفيذه - أويؤيده، أويشمت لذلك، فإن فعل فقد تناوله الوعيد السابق، وهذا أضعف درجات تولي المسلم لأخيه المسلم والبراءة من الكفار.
والله نسأل أن يرد كيد الكفار والمنافقين في نحورهم، وأن يجعل تدميرهم في تدبيرهم، وأن يؤلف بين قلوب المسلمين ويهديهم سبل السلام، ويردهم إليه ردًا جميلًا،"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أوأخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعفُ عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين"، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا القائل: قال الله عز وجل:"العز إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني عذبته".
والسلام عليكم ورحمة الله.
الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة
26/2/1426ه