أيها المجاهدون إن كنتم تألمون فإن أعداءكم يألمون كما تألمون، وأكثر مما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون، وما هي والله إلا إحدى الحسنيين، وما بينكم وبين الجنة إن شاء الله إلا القتل.
تذكروا رد إخوانكم السحرة لما آمنوا على الطاغية فرعون، ونصيحتهم لإخوانهم المبتلين في كل وقت وحين:"قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقضٍ ما أنت قاضٍ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى. إنه من يأت ربه مجرمًا فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيى. ومن يأته مؤمنًا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى. جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى".
فهذه نصيحة واعية، وهدية غالية، وهمة عالية، وكلمات سامية، خرجت من قلوب ملؤها الإيمان، وغايتها أعلى الجنات ورضى ربها الرحمن.
من النصائح العظيمة، والوصايا الكريمة كذلك، ما وصت به الصحابية الجليلة أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين ابنها عبد الله لما استنصحها: (الله الله يا بني، إن كنتَ تعلم أنك على الحق تدعو إليه فامضٍ عليه، ولا تمكِّن من رقبتك غلمان بني أمية فيلعبوا بك، وإن كنت أردتَ الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكتَ نفسك ومن معك، وإن قلتَ:"إني كنتُ على حق فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي"؛ فليس هذا من فعل الأحرار، ولا من فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير، والله لضربة بالسيف في عز أحب إلي من ضربة بالسوط في ذل؛ فقال: يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني؛ قالت: يا بني، إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك، واستعن بالله) .
كذلك من أقيم الهدايا وأجلها التي يمكن أن تقدم للمجاهدين الأبطال الأحرار، ما قاله ذلكم الأعرابي جابر بن عامر، مثبتًا لإمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمه الله، في محنته التي وقف فيها مواقف الأنبياء، وأرضى فيها رب الأرض والسماء.
قال أحمد يصف محنته:(صرنا إلى الرَّحْبة، ورحلنا منها في جوف الليل، فعرض لنا رجل، فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا؛ فقال للجمَّال: على رسلك؛ ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة؟! ثم قال: أستودعك الله؛ فسألت عنه، فقيل لي: هذا رجل من العرب، من ربيعة، يعمل الصوف في البادية، يقال له جابر بن عامر، يُذكر بخير.
وفي رواية قال أحمد: ما سمعتُ كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال: يا أحمد! إن يقتلك الحق مُتَّ شهيدًا، وإن عشتَ عشتَ حميدًا؛ فقوى قلبي.
وفي رواية لابن كثير: يا هذا، إنك وافد الناس، فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه، فيجيبوا فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل).
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن لا تجعل للكافرين والمنافقين على المجاهدين والمؤمنين سبيلًا.
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس.
اللهم ارفع علم الجهاد، واقمع أهل الكفر والفسق والعناد، وانشر رحمتك على العباد، واجعلها بلاغًا للحاضر والباد.
اللهم هيئ للأمة الإسلامية في كل زمان ومكان أمر رشد يُعز فيه أهل الطاعة، ويُذل فيه أهل المعصية، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء.
اللهم لِمَن تترك عبادك المجاهدين المستذلين المطاردين؟ إلى عدو خبيث ملكته أمرهم، أم إلى قريب عميل خائن غادر خسيس يتجشمهم، اللهم إن لم يكن بك غضب عليهم فلا يبالوا، ولكن رحمتك يرجون، وعافيتك يطلبون، فلك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
اختلف الناس في الموضع الذي دفن به رأس الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنهما اختلافًا كثيرًا، فبين قائل إنه لا يُعرف، وبين متخبط غير متثبت، وبين متثبت متحقق، وملخص هذه الأقوال على ما يأتي:
1.أن موضع الرأس لم يُعرف، وهذا كذب كما قال العلماء المحققون.
2.أنه بمشهد بعسقلان، وهذا كذب أيضًا.
3.أنه نقل إلى القاهرة، وهذا كذب أيضًا.
4.أنه دفن بالبقيع بالمدينة، عند قبر أمه فاطمة الزهراء رضي الله عنهما، وهذا هو الحق، أما جسده الطاهر فمدفون بكربلاء.