العالم الذي يتلبس بشيء من العناد والكبر ويتمتع بجرأة فائقة في رد الحق أو التردد في قبوله وربما تجاوز إلى دفعه ومحاربته وقد يمارس الجدل ويتستر بغطاء حق فيما يظهر للناس لكنه يريد بمزاعمه تلك الباطل، وهذا أنواع كثيرة أيضًا يحتاج العلماء والدعاة لمعرفة الحكمة في إدارة الدعوة معهم وكشف خفاياهم وزيفهم وإيضاح كل ذلك بحكمة وبصيرة.
هذه الأقسام إذا أدركناها عرفنا أنه ليس من الحكمة أن نسوي كل قسم بالآخر بل لابد أن ننزل كل قسم منزلته في خططنا الدعوية والعملية، وقد أصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه المنهجية بقاعدة مهمة تدرك من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - يوم بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن حيث قال له:"إنك تأتي قومًا أهل كتاب"وقصة بعثة معاذ إلى اليمن بكاملها منهج متكامل تحتاج لرصدها بكاملها من قبل الدعاة لأن فيها من منهج الحكمة الشيء الكثير.
وعندما نتأمل في الجملة التي قدمناها من قصته نلحظ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك، ليكون معاذ على خبرة ودراية بحال المدعوين فيضع له منهجًا لإيصال الحق لهم وخطة لإيصال العلم إليهم فبدأ من حيث يحتاجونه لا من الصفر وهذا يعني أن على الدعاة والعلماء أن يدركوا الأرضية التي يقف عليها المدعو وذلك لا يتأتى دون دراسة ما يحيط بالمدعو من أحوال وأوضاع تسهل إيصال الحق إليه وتعمل بالحكمة والموعظة الحسنة لتجلية ما خفى فإن عرف أن المدعو يريد المكابرة والاستكبار والنفور والتعدي على الحق، كان من الحكمة منع الاستكبار والتعدي ومنع الطرق الملتوية التي ينفذ منها هذا القسم بقصد تجميد الحق وتفسيخه أو إزالته بالكلية وإن زعم الاستقامة والامتثال: وفيما يلي نضرب بعض الوقائع من عمل صاحب الشريعة - صلى الله عليه وسلم - في استعمال الحكمة في الدعوة والبيان في أمثلة تدلنا على حاجة العلماء والدعاة للدراسة والتأصيل في حال وقعنا ومعرفة ما نحتاجه حتى نوصل الحق لمريديه ونحميه من المعتدين عليه وفق منهجية الرسول محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وبعيدًا من سلوك تفسخ القائلين والمفتين لما يحدث من حرب للدين وقيمه بما يصدرونه من أحكام مجانبة للحق في قولهم للمعتدين على الحق: (هذه أمور داخلية تخصكم لا ندخل في قضاياها)
وحتى نبعد عن النوم العميق الذي يمارسه كثير ممن يعدون في الدعاة ويحسبون على العلم وأهله بما يمارسونه من تفسير للحكمة بطريقة سلبية أدت إلى ظهور تفسخ الباطل وانتشاره بنشوة تحت ظل ممارسة ذلك السكوت الرهيب الذي يمارسه فريق من حماة الحق تحت مسمى الحكمة دون معرفة مواضع وضع الحكمة بل إنهم جعلوا من الحكمة أن لا حكمة وأصبح يمارس البعد عن الحق والاعتداء على الدين تحت سمع وبصر هذا الفريق الذي قعد للمعاندين قاعدة الدين يسر"ويسروا ولا تعسروا"ليأتوا بها على لسان هذا الفريق بعد كل منكر يقترف وبين يدي كل إثم يراد له أن ينتشر ويسمون كل هذا حكمة. كما أننا نريد من ضربنا للأمثلة محاربة ظاهرة سلوك العنف المطلق بحجة الحكمة أيضًا في حماية الحق وإبرازه وفرضه تحت مبررات كثيرة تستعمل جانب القوة وتنسى الجمع بين أدلة العقوبة وأدلة العفو ولا تتأتى الحكمة إلا في الجمع بين الأدلة ومعرفة إنزال النصوص على أحكامها ومتى يكون العفو ومتى تجب العقوبة.
هذه الوصية الغالية، والكلمة الطيبة، من أهم ما وصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا، وقد بعثه إلى اليمن معلمًا ومرشدًا، وفي الحقيقة فإنها وصية للأمة الإسلامية جمعاء، لأن هداية الخلق وإرشادهم هي غاية الشرع ومقصوده، والمراد بالهداية هنا هداية الإرشاد والتوجيه، أما هداية القلوب فلا يملكها إلا الله:"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء"،"الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله".
وحكم الدعوة إلى الله الوجوب العيني على من تعينت عليهم من العلماء وطلاب العلم:"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون"، والوجوب الكفائي على غيرهم من عامة المسلمين حسب الطاقة.
ووسائل الدعوة كثيرة ومتنوعة ومختلفة باختلاف الداعين والمدعوين، فالدعوة إلى الله تكون بالقدوة الحسنة بالفعال والخصال قبل الأقوال، وباللسان والبنان، وبالمال والإحسان، وشروطها الصدق، والإخلاص، والعلم، والرفق، والتلطف، والحكمة:"ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".