تنبيه مهم: على العبد أن يعلم أنه لا بد له من تعلم الفقه الذي هو فرض عين وهو"معرفة معنى الشهادتين ومقتضاهما وما يناقضهما، ومعرفة أصول العقيدة الإسلامية؛ إذ العقيدة هي الفقه الأكبر، ومعرفة ما تصح به عبادة المرء من أحكام الطهارة والصلاة إجمالًا، وأحكام الزكاة إن كان عنده ما يزكيه، ومعرفة أحكام المعاملات ما يحل منها وما يحرم إن كان له تجارة حتى لا يقع في الحرام، لقوله - عليه الصلاة والسلام: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [رواه الطبراني في الأوسط والكبير] "، وإن قعدت بنا ذنوبنا عن تحصيل العلم لأن: (العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه) فكيف بالعلم الذي هو سبب حياة القلب في الدنيا وسلامته الآخرة؛ فلنتب إلى الله - عز وجل -، وإن لم نكن علماء فلنكن متعلمين، وليسلم إخواننا وعلماءنا من ألسنتنا كما قال أحد السلف:"كن عالمًا أو متعلمًا ولا تكن الثالث فتهلك".
إنّ دلالة الناس على الخير الذي من أعظمه العلم - بل هو الخير كله -، هذه الدلالة على العلم من أفضل القربات، وأعظم الطاعات، وأسهل سبيل لتحصيل الحسنات من عدة جهات في وقت واحد: فيأتيك أجر صائم وقائم، ومتصدق وعابد كنت أنت السبب في دلالتهم على الخير، وهدايتهم إليه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) [رواه مسلم] ، فلعلك ترشد عبدًا من عباد الله إلى عالم ليصحبه، أو لدرس شيخ، أو تحثه على طلب العلم بأي وسيلة فيصبح عالمًا صالحًا يأتي عمله هو ومن تبعه في ميزان حسناتك من غير أي نقص في أجورهم، وأمثلة الدلالة على الخير كثيرة تتعجب منها، ولعل قصة الإمام الذهبي - العالم المشهور - من تلكم الأعاجيب:
أنّ أحد مشايخه رأى خطه فقال له: إنّ خطك يشبه خط المحدثين، قال: فوقع حب الحديث في قلبي، وصدق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - حين قال: (وإن الرجل ليتكلم من رضوان الله - عز وجل - ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله - عز وجل - له بها رضوانه إلى يوم القيامة) [أخرجه أحمد] .
كاتب المقال: عبد العليم صديق
المصدر: المختار الإسلامي
للشيخ العلامة/ محمد بن صالح العثيمين
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحقّ ، فبلغ الرسالة ، وأدّى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حقّ جهاده حتى أتاه اليقين ، فصلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .
أما بعد:
فيسرني أن ألتقي بكم هذا اللقاء في موضوع مهم يهمّ المسلمين جميعهم ، ألا وهو الدعوة إلى الله عزّ وجل .
قال تعالى: {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين} ، والاستفهام في الآية بمعنى النفي ، أي: لا أحسن قولًا .
والغرض من الإتيان بالاستفهام في موضع النفي إفادة أمرين:
الأول - انتفاء هذا الشيء .
الثاني - تحدي المخاطب أن يأتي به ، فالاستفهام مشربٌ معنى التحدي ، أي: إذا كان عندك شيء أحسن من هذا فأتِ به ، ولكننا نقول: لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا ، وقال إنني من المسلمين .
والدعوة إلى الله تعالى هي الدعوة إلى شريعة الله الموصلة إلى كرامته ، ودعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام تدور على ثلاثة أمور:
أولًا - معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته .
ثانيًا - معرفة شريعته الموصلة إلى كرامته .
ثالثًا - معرفة الثواب للطائعين والعقاب للعاصين .
والدعوة إلى الله تعالى أحد أركان الأعمال الصالحة التي لا يتم الربح إلا بها كما قال الله تعالى: {والعصر. إن الإنسان لفي خسر . إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر} .
فإن التواصي بالحقّ يلزم منه الدعوة إلى الحق ، والتواصي بالصبر يلزم منه الدعوة إلى الصبر على دين الله تعالى في أصوله وفروعه .
إن الدعوة إلى الله صارت الآن وما زالت بين طرفين ووسط .
أما الطرفان فجانب الإفراط ، بحيث يكون الداعية شديدًا في دين الله يريد من عباد الله تعالى أن يطبقوا الدين بحذافيره ، ولا يتسامح عن شيء الدين يسمح به، بل إنه إذا رأى من الناس تقصيرًا حتى في الأمور المستحبة تأثر تأثرًا عظيمًا ، وذهب يدعو هؤلاء القوم المقصرين دعاء الغليظ الجافي ، وكأنهم تركوا شيئًا من الواجبات، ومن الأمثلة على ذلك: