فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 1363

أيها الخطباء والوعاظ والقصاص احذروا الاستدلال بالأحاديث الموضوعة والضعيفة

عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يدخل الجنة مع أول الداخلين

يتوهم البعض أن كل الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة، وأنه يجوز الاستدلال بها من غير تحرٍ لها، بل هناك طائفة تنكر جرح وتعديل الرواة جملة واحدة.

نسي هؤلاء أوتناسوا أنه لا يحل لأحد أن يروي حديثًا موضوعًا أوضعيفًا ولا يستدل به إلا ليبين أنه موضوع أوضعيف، وإلا فهوداخل في وعيد قوله صلى الله عليه وسلم:"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".

قال الإمام الدارقطني رحمه الله في مقدمة كتاب"الضعفاء والمتروكين": (توعد الله بالنار من كذب عليه، بعد أمره بالتبليغ عنه، وفي ذلك دليل على أنه إنما أمر أن يبلغ عنه الصحيح دون السقيم، والحق دون الباطل، لا أن يبلغ عنه جميع ما روي، لأنه قال:"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع"، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، فمن حدث بجميع ما سمع من الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يميز صحيحها من سقيمها، وحقها من باطلها، باء بالإثم، وخيف عليه أن يدخل في جملة الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه منهم) .

وقال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: (ولا فرق في تحريم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك، وكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح، بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع) .

هذا بالنسبة لذوي الاختصاص.

أما غيرهم من العامة فعليهم الاقتصار بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقته الأمة بالقبول، كأحاديث الصحيحين وغيرهما من دواوين السنة المعروفة، ما لم يبين أهل العلم المختصون بذلك ضعف بعضها فتترك، وقد قام العلماء قديمًا وحديثًا بتوضيح الصحيح من السقيم من الأحاديث، بحيث لا يوجد حديث إلا وقد حكم عليه العلماء بالصحة، أوالضعف، أوالوضع، علم ذلك من علمه، ومن جهله فعليه بسؤال أهل العلم، أوالاكتفاء بدواوين السنة المحققة، إذ السلامة لا يعدلها شيء.

من تلكم الأحاديث الواهية والآثار الموضوعة التي يحلي بها بعض الخطباء، والوعاظ، والقصاص خطبهم، وأحاديثهم، وقصصهم، لشد قلوب العوام إليهم، بهدف ذم المال وجمعه لمن جمعه من حلال وأنفقه في سبل الخير المختلفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يدخل الجنة حبوًا!!!

نحو:

1.ما رواه أحمد بسنده وغيره إلى عُمارة بن زاذان عن ثابت بن أنس أن عبد الرحمن بن عوف لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عثمان كذا هذا، فقال: إن لي حائطين، فاختر أيهما شئت؛ قال: بل دلني على السوق؛ إلى أن قال: فكثر ماله، حتى قدمت له سبع مائة راحلة تحمل البُرَّ والدقيق والطعام، فلما دخلت سُمِع لأهل المدينة رَجَّة، فبلغ عائشة، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"عبد الرحمن لا يدخل الجنة إلا حبوًا"، فلما بلغه قال: يا أمَّهْ! إني أشهدك أنها بأحمالها وأحلاسها في سبيل الله.

قال الذهبي في السير: أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الصمد بن حسان عن عمارة، وقال: حديث منكر.

وفي لفظ لأحمد: فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"قد رأيت عبد الرحمن يدخل الجنة حبوًا"، فقال: إن استطعتُ لأدخلنها قائمًا، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله.

2.وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دخلت الجنة فسمعت خَشَفَة، فقلت: ما هذا؟ قيل: بلال، إلى أن قال: فاستبطأت عبد الرحمن بن عوف، ثم جاء بعد الإياس، فقلت: عبد الرحمن؟ فقال: بأبي وأمي يا رسول الله! ما خلصت إليك حتى ظننت أني لا أنظر إليك أبدًا؛ قال: وما ذاك؟ قال: من كثرة مالي أحاسب وأمحص".

3.أما الأثر الموضوع المختلق فقد حكاه الغزالي في الإحياء عن الحارث المحاسبي:"وقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك! فقال كعب: سبحان الله! وما تخافون على عبد الرحمن، كسب طيبًا، وأنفق طيبًا، وترك طيبًا! فبلغ ذلك أبا ذر، فخرج مغضبًا يريد كعبًا، فمر بعظم لحي بعير، فأخذه بيده، ثم انطلق يريد كعبًا، فقيل لكعب: إن أبا ذر يطلبك، فخرج هاربًا حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر، وأقبل أبوذر يقص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان، فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربًا من أبي ذر، فقال له أبو ذر: هيه يا ابن اليهودية! تزعم أنه لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت