قال القاضي عياض رحمه الله في الشفا بتعريف حقوق المصطفى: (قد أفتى ابن حبيب وأصبغ بن خليل من فقهاء قرطبة بقتل المعروف بابن أخي عَجَب، وكان خرج يومًا فأخذه المطر، فقال:"بدأ الخرَّاز يرش جلوده"، وكان بعض الفقهاء بقرطبة، أبو زيد، وعبد الأعلى بن وهب، وأبان بن عيسى، قد توقفوا عن سفك دمه، وأشاروا إلى أنه عبث من القول يكفي فيه الأدب، وأفتى بمثله القاضي حينئذ موسى بن زياد، فقال ابن حبيب: دمه في عنقي، أيشتم ربًا عبدناه ثم لا ننتصر له؟ إنا إذًا لعبيد سوء وما نحن له بعابدين! وبكى، ورفع المجلس إلى الأمير بها عبد الرحمن بن الحكم الأموي، وكانت عَجَب عمة هذا المطلوب من حظاياه، وأعلم باختلاف الفقهاء، فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول ابن حبيب وصاحبه، وأمر بقتله، فقتل وصلب بحضرة الفقيهَيْن ابن حبيب وأصبغ، وعزل القاضي لتهمته بالمداهنة في هذه القضية، ووبخ بقية الفقهاء وسبهم) .
جزى الله هذا الأمير وهذين العالمين عن الإسلام خير الجزاء، وكثر الله من أمثالهم، ورحمهم الله وأمثالهم، (وكل من أعان على الدين ولو بشطر كلمة، وإنما الهلاك في ترك ما يقدر عليه العبد من الدعوة إلى هذا الدين) .
والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله صادق الوعد الأمين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين الطيبين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد..
المجادلة والمناظرة لإقناع الآخر، سواء كان مسلمًا أوكافرًا، جائزة ومشروعة في الإسلام، فقد جادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم بعد إقامة الحجة عليهم:"فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم..".
وجادل الصحابة، والتابعون، والسلف الصالح، ولا يزال أهل العلم يجادلون ويناظرون العلماء، وأهل الأهواء، والكفار على حد سواء.
ويشترط في المناظرة شروط، هي:
1.أن يُبْتغي بها وجه الله، لا الغلبة وحظوظ النفس، ورحم الله الشافعي حين قال:"ما ناظرتُ أحدًا إلا وتمنيت أن يجريَ اللهُ الحقَّ على لسانه".
2.أن يقبل منها ما يتبين أنه حق.
3.أن لا يُحاد فيها عن الحق، ولله در القائل:
شكونا إليهم خراب العراق فعابوا علينا لحوم البقر
فكانوا كما قيل فيما مضى أريها السُّها وتريني القمر
4.أن تكون هناك ثوابت وأرضية مشتركة متفق عليها بين المتناظرين.
5.أن لا يتعدى فيها الحدود الشرعية بالنيل والطعن في الله، ورسوله، ودينه.
هذه الشروط إذا انتفى منها شرط تصبح المناظرة عديمة الجدوى، وإذا انتفى الشرط الخامس والأخير حرمت المناظرة على المتناظرين والسامعين، بل قد تؤدي إلى الكفر والعياذ بالله، ولا يحل للمسؤولين السماح بها، وإلا يكونوا في الوزر سواء، قال تعالى:"وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين".
ما نسمعه من بعض ما يدور في تلك الأركان من الكفريات، والضلالات، والتطاول على الدين، وعلى رسل الله وحدوده، ليس له مثيل ولا شبيه إلا ما يقال في حديقة"هايد بارك"بلندن، إذ يجوز للإنسان أن يفرغ ما في جعبته من غير حسيب ولا رقيب، إلا الرقيب العتيد.
حيث ينال في بعضها من الأنبياء وينتقصوا، وما أصاب نوح عليه السلام من أحد أعضاء الجبهة الديمقراطية في أحدها ليس عنا ببعيد، ويُنْكر ما هو معلوم من الدين ضرورة، وتُرَدُّ الأخبار الصحاح، ويتكلم بالكفر الصراح البواح، ثم لا يجد المتكلم بذلك من يقيم عليه الحد إن كفر بمقالته، أويُؤدب ويُعزر من أتى بما دون ذلك، أوحتى أن يُحذر، ويُنذر، ويُلام.
وهذا والله من الظلم العظيم، والخطأ الجسيم، أن يصبح الطعن في الدين، والتشكيك في الثوابت حقًا شائعًا لكل من لم يستح من طلاب كفار، ومشركين، ومنسلخين من الدين.
لابد أن يكون لإدارات الجامعات هذه مشرفون ومراقبون لما يقال، ولابد أن تكون هناك ضوابط لما يقال فيها، وأن تعرض المواضيع التي ستقدم فيها على هذه اللجنة مكتوبة، وأن يُراقب المتحدثون، وكذلك الصحف والملصقات، فهذا من أوجب الواجبات على إدارة هذه الجامعات، وإلا فليعلموا أنهم مسؤولون عن كل ما يدور فيها، وسيحاسبون على ذلك حسابًا عسيرًا:"فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
وطلاب الجامعات مكلفون، وليسوا ممن رفع عنهم القلم، ولا فائدة في علم إن لم يكن مصحوبًا بالأدب والسلوك المستقيم، والخلق القويم.