ومتى حفظ علي ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار، فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك، وأشهدتُ الله وملائكته وأولي العلم على ذلك غير مجبر، ولا مكره، وباطني وظاهري ـ يعلم الله تعالى ـ في ذلك سواء،"ومن عاد فينتقم الله منه واللهُ عزيز ذو انتقام"
وكُتِب يوم الأربعاء عاشر محرم سنة خمس وستين وأربعمائة.
وكانت كتابته قبل حضوره الديوان بيوم، فلما حضر شهد عليه جماعة كثيرة من الشهود والعلماء).
3.عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود
قال الإمام الشاطبي رحمه الله: (يذكر عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه كان يقول بالإرجاء ثم رجع عنه، وقال: أول ما أفارق ـ غير شاك ـ أفارق ما يقول المرجئون) .
4.عبد الله بن الحسن العنبري
قال عنه الشاطبي:(كان من ثقات أهل الحديث، ومن كبار العلماء العارفين بالسنة، إلا أن الناس رموه بالبدعة بسبب قول حكي عنه.. حتى كفره القاضي أبو بكر وغيره.
ثم قال: قال ابن أبي خيثمة: أخبرني سليمان بن أبي شيخ قال: كان عبد الله بن الحسن بن الحسين العنبري البصري اتهم بأمر عظيم، وروي عنه كلام ردي.
قال بعض المتأخرين: هذا الذي ذكره ابن أبي شيخ عنه قد روي أنه رجع عنه لما تبين له الصواب، وقال: إذًا أرجع وأنا من الأصاغر، ولأن أكون ذنبًا في الحق، أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل.
فإن ثبت عنه ما قيل فيه فهو على جهة الزلة من العالم، وقد رجع عنها رجوع الأفاضل إلى الحق، لأنه بحسب ظاهر حاله فيما نقل عنه إنما اتبع ظواهر الأدلة الشرعية فيما ذهب إليه، ولم يتبع عقله، ولا صادم الشرع بنظره، فهو أقرب من مخالفة الهوى ـ ومن ذلك الطريق والله أعلم ـ وفق إلى الرجوع إلى الحق).
أرجو أن تقارن أخي الكريم بين حالنا في هذا العصر الذي كثرت فيه البلايا، وعظمت فيه الرزايا، وانقلبت فيه الموازين، واختلت فيه المفاهيم، حيث أصبحت السنة فيه بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وفسِح فيه للرويبضاء، وضيِّق فيه على العلماء، وبين حال سلفنا الصالح، حيث كان الدين معظمًا في قلوبهم، والغيرة متقدة في ضمائرهم، ومن ثم بين الزلات التي حوسب عليها هؤلاء العلماء الفضلاء ورجعوا عنها رجوع الأكابر النبلاء، وبين الكفريات التي نطق بها زنادقة الأدباء، أمثال سلمان رشدي، ونسرين، ونصر أبي زيد، والبغدادي، ومن لف لفهم لا بارك الله فيهم، وما سوَّد به الورَّاقون ـ الصحفيون ـ الصحف والمجلات والكتب من البدع والضلالات، ولا يزالون ينشرون ذلك عبر وسائل الاتصال المختلفة، المقروءة، والمسموعة، والمشاهدة، حيث لا رقيب، ولا هاجر، ولا محاسب، ولا معاتب، وصدق من قال:"من أمن العقوبة أساء الأدب"، ما كان لهؤلاء السفهاء الجراء أن يقدموا على ما أقدموا عليه لولا أمنهم العقوبة، إنها والله ردة باردة وكفر صريح لا يصلح معه إلا القتل والتنكيل، ولله در العلامة ابن العربي المالكي عندما وصف كفر غلاة الشيعة بأنه"كفر بارد لا تسخنه إلا حرارة السيف، فأما دفء المناظرة فلا يؤثر فيه".
كم من زنديق سبَّ ربنا وشتمه؟ وكم من مرتد انتقص نبيًا من الأنبياء؟ وكم من سفيه تطاول على الصحابة الفضلاء؟ وكم من ورَّاق انتقص العلماء؟ ولا يزالون سادرين في غيهم لعدم وجود من يردعهم:"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، فقتل المرتدين والزنادقة من أوجب واجبات ولاة الأمر، لأن في ذلك حماية للدين، وزجرًا للمستهترين، ونكاية للكافرين، وعظة للمتربصين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإنه لو لم يقتل المرتد لكان الداخل في الدين يخرج منه، فقتله حفظ لأهل الدين وللدين، فإن ذلك يمنع من النقص، ويمنعهم من الخروج منه) .
وواجب العلماء أن يذكّروا الأمراء بذلك، وأن يحضوهم عليه، وعلى غيره، وإلا فلا تحل لهم مداخلتهم، وقبل ذلك عليهم أن يبينوا ضلال المضلين، وبدع المبتدعين، وأن يحذروا العامة والخاصة منهم، وأن يردوا على هؤلاء السفهاء ردًا قويًا لا مداهنة فيه ولا تقية، فمن العيب أن يتجرأ السفهاء ويتوارى ويخجل العلماء، ورحم الله إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل القائل:"إذا سكت الجاهل لجهله، وأمسك العالم تقية، فمتى تقوم لله حجة؟".
فالمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والعالم الجريء في الحق أحب إلى الله من العالم الضعيف ومتكلف التأويل، والحاكم الذي يغار لدينه أكثر من ملكه وسلطانه أحب إلى الله من الذي يكون همه الأول والأخير المحافظة على كرسيه ولو كان ذلك على حساب دينه.
وإليك مثالًا واحدًا يوضح الفرق بين العلماء الجراء وبين متكلفي التأويل والباحثين عن الأعذار المداهنين للمجتمع، حيث لم ينصروا الدين، ولم يكسروا السفهاء المعاندين، بل خذلوا إخوانهم وشمتوا عليهم أعداءهم.