فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 1363

فاحذر أخي المسلم أن يكون الجاهليون أحسن جوارًا منك، بل والكلاب، واحذر أن تكون جار سوء، واحرص أن ترعى وصية ربك ورسولك في جيرانك، واجتهد أن يكون لك في رسولك، والصحب الكرام، والسلف العظام، والجاهليين الراعين لحق الجوار الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، والمثال الذي يحتذى.

ما نسمعه من قصص وحكايات عن سوء الجوار، وغلظتهم وغفلتهم عن حقوق إخوانهم المسلمين يندي لها الجبين، ويشيب لها الوليد، فكم سمعنا أن شخصًا مات في شقته ولم يعلم جيرانه بوفاته حتى تجيّف ويشموا رائحة ذلك فيبلغوا الشرطة فتأتي لتكسر الباب.

وأن شخصًا مات أبوه أوماتت أمه ولم يجد من جيرانه من يعزيه، دعك من أن يعينه على تجهيز الميت وحمله وتشييعه ودفنه إلا عن طريق الأجرة، وهذه كلها من الحقوق الكفائية للمسلم على إخوانه المسلمين، وبالنسبة للجيران اللصيقين من الواجبات العينية.

وكم سمعنا أن جارًا يمرض ويذهب إلى الاستشفاء خارج البلد ولا يسمع به جيرانه الأقربون.

هذا بجانب الكيد، والتجسس، والإيذاء الحسي والمعنوي، والحسد، وغير ذلك.

فهؤلاء وأولئك لا بوصية ربهم ونبيهم عملوا، ولا بأخلاق أجدادهم تمسكوا، ولا من مسبات الأحاديث خافوا، قال حاتم الطائي مخاطبًا أزواجه:

أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ويا ابنة ذي البُرْدين والفرس الورد

إذا ما عملت الزاد فاتخذي له أكيلًا فإني لست آكله وحدي

بعيدًا قصيًا أوقريبًا فإنني أخاف مذمات الأحاديث من بعدي

وكيف يُسيغُ المرءُ زادًا وجاره خفيف المعي بادي الخصاصة والجهد

أذى الجيران وحسدهم والبغي عليهم من الكبائر

الواجب على الجار أن يحسن إلى جاره، وأن يصبر على أذاه، ويسر لنفعه، ويحزن لضره، فإن لم تستطع على ذلك فأضعف الإيمان أن تكف عن جارك أذاك، وحسدك، وعداوتك.

وأنت أخي الكريم إذا ابتلاك الله بجار سوء، حسود، ظلوم، فعليك أن تصبر على أذاه، وأن تحسن إليه، فالإحسان يزيل العداوات ويصيرها صداقات، واعلم أن المؤمن مبتلى، بل"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل"، كما أخبر الصادق المصدوق، فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه.

فقد يبتلى الصالحون بالطغاة الظالمين، أوبالسفهاء الجاهلين، أوبالجيران المؤذين الحاسدين الحاقدين، أوبالأقارب المعادين المخاصمين، أوبالأبناء العاقين، أوبالنساء الخميم الرميم، أوبالمنافقين الفاجرين، وكل ذلك لحكمة يعلمها هو، لدرجة يرفعها، أولخطيئة يكفرها، إذا صبر العبد واحتسب.

قال الحسن البصري رحمه الله: إلى جنب كل مؤمن منافق يؤذيه.

ولهذا قيل: أزهد الناس في عالم جيرانه.

وقيل: الحسد في الجيران والعداوة في الأقارب؛ لغلبة ذلك عليهم.

قال رجل لسعيد بن العاص: والله إني لأحبك؛ فقال له: ولمَ لا تحبني ولست بجار لي ولا ابن عم.

وقيل: إن أحسد الناس لعالم وأنعاه عليه قرابته وجيرانه.

وأخيرًا نقول كما روي عن داود عليه السلام أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من جار سوء، عينه ترعاني، وقلبه لا ينساني، ونسأله سبحانه أن يوفقنا للقيام بجميع الحقوق، وأن يغفر لنا تقصيرنا في ذلك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أفضل جار في العالمين، محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

"ولن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا"

الابتداع في دين الله خطره جسيم، وضرره عظيم، وعاقبته يوم القيامة وخيمة، خاصة لمن مات وخلف بدعته بعده، فالويل له ثم الويل له، إذ البدعة وزر جارٍ وذنب دائم على صاحبها، بحيث لا ينقص ذلك من أوزار متبعيها شيئًا إلى يوم القيامة، كما أخبر الصادق المصدوق.

ولخطورة الابتداع في الدين فإن المبتدع لا يُقْبل منه صرف ولاعدل، أي لا فرض ولا سنة:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"،"ومن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".

والمبتدع تندر توبته، وتصعب رجعته منها، كما هو مشاهد، وترد عليه عبادته، ويخسر آخرته.

فالمبتدعة في الدين في الحقيقة مغيِّرون لشرع الله، مبدلون لما جاء به محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه، محيون لملة عمرو بن لحي الخزاعي، مغير دين إسماعيل وملة إبراهيم عليهما السلام وغيره، ومجددون لها، شاءوا أم أبوا، علموا بذلك أم لم يعلموا.

خرَّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رأيتُ عمرو بن لُحي بن قَمعَة بن خِنْدِف يجر قُصَبه في النار، وكان أول من سيَّب السوائب"، وفي رواية في الصحيح كذلك:"عمرو بن لحي بن قَمَعة بن خِنْدِف أخا بني كعب هؤلاء، يجر قُصْبه في النار".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت