فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 1363

5.وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره"، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم"."

6.وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال:"إلى أقربهما منك بابًا".

حد الجيرة

ذهب أهل العلم في حد الجوار مذاهب هي:

1.أربعون دارًا من كل ناحية، وهذا مذهب الأوزاعي والزهري.

2.من سمع النداء فهو جار.

3.من سمع إقامة الصلاة فهو جار المسجد.

4.من ساكن رجلًا في محلة أومدينة.

والجيرة مراتب بعضها ألصق من بعض وأولى.

الجار الحسن يُشترى

حسن الجوار من النعم العظيمة والآلاء الكريمة، ولهذا قال علي: الجار قبل الدار؛ فالدار الطيبة الواسعة القريبة تضيق بساكنيها إذا ابتلوا بجار سوء، والدار الضيقة البعيدة تطيب لساكنيها إذا حظوا بحسن الجوار.

باع أبو الجهم العدوي داره بمائة ألف دينار، ثم قال للمشترين: بكم تشترون جوار سعيد بن العاص؟ فقالوا: وهل يشترى جوار قط؟ قال: ردوا عليَّ داري، وخذوا دراهمكم، والله لا أدع جوار رجل: إن فقدتُ سأل عني، وإن رآني رحب بي، وإن غبت حفظني، وإن شهدت قربني، وإن سألتُه أعطاني، وإن لم أسأله ابتدأني، وإن نابتني جائحة فرّج عني.

فبلغ ذلك سعيدًا فبعثه إليه بمائة ألف درهم.

الجار السوء يباع بأبخس الأثمان

كان أبو الأسود الدؤلي ـ ظالم بن عمرو ـ صاحب علي من سادات التابعين وأعيانهم، واضع علم النحو بتوجيه من علي رضي الله عنه، (من أكمل الرجال رأيًا، وأسدهم عقلًا، ويعد من الشعراء، والمحدثين، والبخلاء، والفرسان، والبُخْر، والعُرْج، والمفاليج، والنحويين) ، وصاحب ملح ونوادر، من ذلك:

كان له جيران بالبصرة، كانوا يخالفونه في الاعتقاد، ويؤذونه في الجوار، ويرمونه في الليل بالحجارة، ويقولون له: إنما يرجمك الله تعالى؛ فيقول لهم: كذبتم، لو رجمني الله لأصابني، وأنتم ترجمونني ولا تصيبونني؛ ثم باع الدار، فقيل له: بعتَ دارك؟! فقال: بل بعت جاري؛ فأرسلها مثلًا.

ولله در القائل:

يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ولم يعرفوا جارًا هناك ينغصُ

فقلت لهم كفوا الملام فإنها بجيرانها تغلو الديار وترخص

حفظ ورعاية حق الجار ولو كان مسيئًا

ورد في وفيات الأعيان أن الإمام أبا حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله كان له جار إسكافي يعمل نهاره، فإذا رجع إلى منزله ليلًا تعشى ثم شرب، فإذا دب الشراب فيه أنشد يغني، ويقول متمثلًا بقول العرجي:

أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر

ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وأبو حنيفة يسمع جلبته في كل يوم ويصبر.

وفي يوم كان أبو حنيفة يصلي بالليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسعس منذ ليالٍ، فصلى أبو حنيفة الفجر من غده، ثم ركب بغلته وأتى دار الأمير، فاستأذن عليه، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبًا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط؛ ففعل به ذلك، فوسع له الأمير من مجلسه، وقال له: ما حاجتك؟ فشفع في جاره، فقال الأمير: أطلقوه وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنًا هذا؛ فأطلقوهم أيضًا، فذهبوا وركب أبو حنيفة بغلته، وخرج الإسكافي معه يمشي وراءه، فقال له أبو حنيفة: يا فتى هل أضعناك؟ فقال: بل حفظت ورعيت، فجزاك الله خيرًا عن حرمة الجوار.

ثم تاب، ولم يعد إلى ما كان يفعل، بسبب هذه المعاملة الكريمة ومقابلة الإساءة بالإحسان.

قال الأصمعي رحمه الله: ومن أحسن ما قيل في حسن الجوار:

جاورت شيبان فاحلوى جوارهم غريبًا عن الأوطان في زمن المحل

فما زال بي إكرامهم وافتقادهم وبرهم حتى حسبتهم أهلي

لقد استعاض بعض الناس من الكفار وغيرهم الكلاب بالجيران، فأصبحوا يربونها، ويعتنون بها، ويوصون لها بالأموال بعد هلاكهم، لما لمسوا من وفائها وتنكر الأهل والجيران لهم.

ذكر صاحب كتاب"فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب"ابن بسام محمد بن خلف المرزبان المؤرخ، المترجم، الأديب، البغدادي المتوفى 309هـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال:"رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا قتيلًا، فقال: ما شأنه؟ قالوا: إنه وثب على غنم بني زُهْرة فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله؛ فقال: قتل نفسه، وأضاع دينه، وعصى ربه، وخان أخاه، وكان الكلب خيرًا منه".

وقال ابن عباس رضي الله عنهما:"كلب أمين خير من صاحب خؤون".

وقال كذلك: كان للحارث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم، فخرج في بعض منتزهاته، ومعه ندماؤه، فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته، فأكلا وشربا، ثم اضطجعا، فوثب الكلب عليهما فقتلهما، فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما قتيلين فعرف الأمر، فأنشد يقول:

وما زال يرعى ذمتي ويحوطني ويحفظ عرسي و الخليل يخون

فيا عجبًا للخل يهتك حرمتي ويا عجبًا للكلب كيف يصون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت