فهرس الكتاب

الصفحة 471 من 1363

وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها:"لا تكوني فاحشة، فإن الفحش لو كان رجلًا لكان رجل سوء".

قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى:"وقولوا للناس حسنًا: (قال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، أبو العالية: قولوا لهم الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به، وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا، مع البرِّ والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يُرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون:"فقولا له قولًا لينًا"، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله باللين معه، وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيَّ حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ؛ فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى:"وقولوا للناس حسنًا"، فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى، فكيف بالحنفي؟!) ."

قال يحيى بن معاذ رحمه الله في تفسير قوله:"فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أويخشى"مخاطبًا ربه: (هذا رفقك بمن يقول أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول أنت الإله؟!) .

وقد قيل إن فرعون ركن إلى قول موسى لما دعاه، وشاور امرأته فآمنت وأشارت عليه بالإيمان، فشاور هامان، فقال: لا تفعل، بعد أن كنت ملكًا تصير مملوكًا، وبعد أن كنت ربًا تصير مربوبًا؟!

فويل لهامان من فرعون، وويل لفرعون من هامان، والويل ثم الويل لكل من اقتدى بفرعون وهامان من الحكام، والوزراء، والمستشارين، الذين يزينون الباطل ويصدون عن الحق.

وعلى العكس من ذلك فإن الغلظة، والفظاظة، والعنف، والشدة، والفحش، والتفحش لا تأتي بخير قط إلا مع الكفار المعاندين والمنافقين الجاحدين، كما قال تعالى:"إلا الذين ظلموا منهم"، بعد أن تستنفد معهم الوسائل اللينة.

أهمية الحكمة في الدعوة

يقول الله ـ تعالى ـ: ( يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يُؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا وما يذكر إلا أولو الألباب) البقرة: 269 ، إذا فالحكمة منة ، ونعمة عظيمة من الله ـ تعالى ـ يمتن بها على من يشاء من عبادة ، وهي من الأشياء التي يمكن اكتسابها بالمراس والمران.

ويعرف ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ الحكمة بأنها: ( فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي ) مدارج السالكين .

يقول ابن سعدي ـ رحمه الله ـ في تفسير: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ) أي كل أحد على حسب حاله وفهمه، وقبوله وانقياده، ومن الحكمة، الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبدأة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، و إلا فينتقل معه إلى الدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر، والنهي المقرون بالترغيب والترهيب ...

إذا فالحكمة في الدعوة أمر مطلوب ، والداعي إلى الله مأمور بتوخي الحكمة حين دعوته ومصداق ذلك قول الله ـ تعالى ـ: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) النحل: 125 ، وقوله ـ سبحانه ـ: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) يوسف: 108.

وحينما طبق الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ الحكمة في دعوتهم ، وساروا على هدي المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونهجه دخل الناس في الإسلام أفواجا ، وانتشر الإسلام في بقاع الأرض

لكن لا يُفهم من الحكمة في الدعوة أنها تعني الرفق ، والحلم مع المدعو فحسب ، بل إن مراتب الحكمة تتجاوز ذلك كثيرا.

فمن الحكمة أن يكون الداعي رفيقا لينا مع المدعوين كما قال ـ تعالى ـ عن نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر... ) آل عمران: 159 ، وقال ـ سبحانه ـ مخاطبًا موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ: ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى ) طه: 43-44.

و من الحكمة أحيانا استخدام الشدة والتأنيب أحيانا ، ذلك لأن الحكمة تعني وضع كل شيء في موضعه ، فهي لين في وقت اللين ، وشدة في وقت الشدة . يقول الله ـ تعالى ـ على لسان موسى ـ عليه السلام ـ مخاطبا فرعون لما طغى وتكبر: ( قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا ) الإسراء: 102 ، ويقول ـ تعالى ـ: ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين و اغلظ عليهم ومأواهم جهنم و بئس المصير ) التوبة: 73

وإن من الحكمة أيضا أن يكون الداعي قدوة في قوله وفعله ، يقول الله ـ تعالى ـ: ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) الصف: 2-3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت