وبعد قتله للراهب لم ييأس , ولم يقتنع بما قاله له , فسأل مرة أخرى عن أعلم أهل الأرض , فدُلَّ على رجل , وكان عالما بالفعل , فسأله القاتل ما إذا كان يمكن أن تكون له توبة بعد كل الذي فعله , فقال له العالم مستنكرا ومستغربا: ومن يحول بينك وبين التوبة , وكأنه يقول: إنها مسألة بدهية لا تحتاج إلى كثير تفكير أوسؤال , فباب التوبة مفتوح , والله عز وجل لا يتعاظمه ذنب , ورحمته وسعت كل شيء , وكان هذا العالم مربيا حكيما , فلم يكتف بإخباره بأن له توبة , بل دله على الطريق الموصل إليها , وهو تغيير البيئة التي تذكره بالمعصية وتحثه عليها , ومفارقة الرفقة السيئة التي تعينه على الفساد, وتزين له الشر , فأمره بأن يترك أرض السوء , ويهاجر إلى أرض أخرى فيها أقوام صالحون يعبدون الله تعالى , وكان الرجل صادقا في طلب التوبة فلم يتردد لحظة , وخرج قاصدا تلك الأرض , ولما وصل إلى منتصف الطريق حضره أجله , فابتعد بصدره جهة الأرض الطيبة مما يدل على صدقه في التوبة حتى وهو في النزع الأخير , , فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ,كل منهم يريد أن يقبض روحه , فقالت ملائكة العذاب إنه قتل مائة نفس ولم يعمل خيرا أبدا , وقالت ملائكة الرحمة إنه قد تاب وأناب وجاء مقبلا على الله , فأرسل الله لهم ملكا في صورة إنسان , فأمرهم أن يقيسوا ما بين الأرضين , الأرض التي جاء منها , والأرض التي هاجر إليها , فأمر الله أرض الخير والصلاح أن تتقارب , وأرض الشر والفساد أن تتباعد , فوجدوه أقرب إلى أرض الصالحين بشبر , فتولت أمره ملائكة الرحمة , وغفر الله له ذنوبه العظيمة كلها .
إن هذه القصة تفتح أبواب الأمل لكل عاص , وتبين سعة رحمة الله , وقبوله لتوبة التائبين, مهما عظمت ذنوبهم وخطاياهم , إذا صدق الإنسان في طلب التوبة , وسلك الطرق والوسائل التي تعينه عليها , ومن ظن أن ذنبًا لا يتسع لعفو الله , فقد ظن بربه ظن السوء, فعلى العبد أن لا ييأس من رحمة الله , وكما أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب , فكذلك القنوط من رحمة الله , قال عز وجل: { ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } (يوسف: 87) .
فضيلة الشيخ د. سفر بن عبدالرحمن الحوالي.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن خير الحديث كلام الله تبارك وتعالى، وخير الهدي هدي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشر الأمور محدثاتها، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134] .
ونسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما نسمع وما نقول وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
الموضوع الذي نريد أن نتحدث نحن وإياكم عنه، ليس عليكم بجديد، خصوصًا وأنتم تعيشون معمعة الجهاد من أجل تحقيقه إذا خلصت النية وصلح العمل -بإذن الله تبارك وتعالى- فإن ذلك كالجهاد، بل هو نوع من أنواع الجهاد.
والعلاقة بين الأمن والإيمان، وبين الإيمان والسلوك والعمل؛ قد جاءت واضحة جلية في كتاب الله تبارك وتعالى، وفي سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأي أمل وأي هدف تسعى إليه الشعوب والدول والأمم في هذا الزمان وفي كل زمان أعظم من الأمن، إن العالم اليوم -كما تشاهدون- يعيش في بحبوحة من التقدم المادي والرفاهية الحضارية.
وإن الأمم الكبرى فيه والتي تسمى بالتحررية أو التقدمية تعيش في قمة التطور المذهل في مجالات الحياة المادية ولكنها مع ذلك تعيش في حضيض وفي نكد فقدان الأمن والأمان وتعيش في حالة من الرعب، والخوف، والقلق، والضياع الذي يسيطر عليها في جميع مناحيها.
وما أشبهها في ذلك بحال الأمم قبل بعثة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي أرسله الله تبارك وتعالى رحمة للعالمين، وما تزال رسالته التي تحقق الرحمة للعالمين بين أيدينا غضة طرية، وما نزال نحن حملة هذه الرسالة التي يجب أن نؤديها إلى العالم كله وإلى أنفسنا أولًا.
أدلة الأمن والإيمان من كتاب الله