هذا المؤشر اختل في زماننا، حيث لم تعد للسنة المكانة التي كانت لها في الماضي، وحيث أضحى الناس يجاملون في ذلك ولا يراعون جانب الدين والاعتصام بالسنة، بل لقد تعجبت من شيخ من شيوخ العلم المعاصرين عزى في شيخ بن باز، وفي البابا بولس الثالث، وفي إمام من أئمة البدع الكفرية، وأثنى على الجميع، مما يدل على الخلل الكبير الذي أصاب المسلمين في عقيدة الولاء والبراء، حيث لم يميزوا بين أئمة الدين وأعدائه من الكفرة والمبتدعين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم هيئ للأمة الإسلامة من أمرها رشدًا، وردها إليك ردًا جميلًا، وصلى الله وسلم على محمد القائل:"إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء"، وهم من بني هاشم، لكفرهم وعنادهم
"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ"
الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبثًا، ولم يتركهم سدى وهملًا،"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ"، ثم نزه نفسه العلية عن الخلق عبثًا ولعبًا، فقال:"فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ"، وقال:"أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى".
جاء في تفسيرها عن الإمام الشافعي رحمه الله: معطلًا، لا يؤمر ولا ينهى.
وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب.
قال القرطبي رحمه الله في تفسير"عبثًا":(أي مهملين، كما خلقت البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب عليها.
ثم نقل عن الحكيم الترمذي: إن الله خلق الخلق عبيدًا ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة، ويعاقبهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار، كرام من رق الدنيا، ملوك في دار الإسلام، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أباق، سقاط، لئام، وغدًا أعداء في السجون بين أطباق النار).
وفسر"سدى"بأن يترك في قبره أبدًا لا يبعث.
من العجيب أن تفهم وتفطن بعض العجماوات للوظيفة التي خلقت من أجلها، ويغفل عن ذلك المسلم العاقل.
فقد صح عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:"بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه فقالت: لم أخلق لهذا، خلقت للحراثة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب ذلك: آمنتُ به أنا، وأبوبكر، وعمر؛ قال أبو هريرة: وما هما يومئذ في القوم".
أقول هذا بمناسبة الاهتمام الزائد، والحرص الشديد، من جل شباب المسلمين، وكثير من كهولهم، وبعض شيوخهم على مشاهدة مباريات كأس العالم، حيث احتكرت إحدى الفضائيات"ART"بثها، ولاتسمح لأحد أن ينقل منها إلا مقابل رسوم، ولهذا فكر البعض في الاستفادة من هذا الكسب الرخيص المحرم، حيث يشتري عددًا من أجهزة التلفاز الكبيرة، ويضعها في مكان مغلق، ولا يسمح بالدخول إلا بمبلغ معين.
وقد وردت إلينا بعض الفتاوى تستفسر عن مشروعية هذا الكسب، فكان الرد أن هذا من المكاسب المحرمة على تلك الفضائية خاصة، وعلى غيرها من المؤجرين منها، لأنه لعب ولهو وعبث، وقد نُزِّه المسلم عن اللعب واللهو والعبث، سيما الذي يعده وينظمه الكفار لإفساد شباب المسلمين بعد أن فسد شبابهم، حسدًا من عند أنفسهم، وليشغلوا الشباب ويلهوهم عن قضايا أمتهم ومآسيها، فبدلًا من أن يفكر هؤلاء الشباب في وسائل تخليص الأمة من الهيمنة الاستعمارية المتمثلة في الحرب الصليبية التي تقودها أمريكا وأذنابها للقضاء على أي أثارة من علم أوفضل في الأمة، وفي كل المجالات، سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، وإعلاميًا؛ وبدلًا من أن يكون هم الشباب وتفكيرهم وشغلهم وقف على كيفية استرداد البلاد التي غزاها الكفار واقتطعوها من ديار الإسلام، الأندلس من قبل، وفلسطين، وكشمير بالأمس، وأفغانستان، والعراق، والشيشان، وغيرها اليوم، وعلى فك أسرى المأسورين من الشيوخ، والنساء، والصبية غير البالغين في سجون غوانتانامو، وأبو غريب، وفي غزة، وفي غيرها، وعلى حماية أعراض المسلمين التي تنتهك جهارًا نهارًا في العراق وأفغانستان وغيرهما، يشتغل بهذه السفاسف المحرمات.
كيف ترضى لنفسك وأنت الشباب المسلم أن تتفرج على فرق كافرة أومسلمة، لاعبة، لاهية، وأن تشجع هذا على ذلك، والكل عابث لاعب؟
لماذا ترضى أن يكون همك في سفاسف الأمور وتوافهها، بدلًا أن تشتغل بمعالي الأمور؟
أيها الشاب، أين أنت من غلام أصحاب الأخدود"ثامر"، الذي غير وجه تاريخ أمته من الوثنية والجاهلية إلى التوحيد والإيمان بجده واجتهاده، وجهاده الكفار والمنافقين، وصبره وعلو همته، على الرغم من صغر سنه؟
وأين أنت من شباب المسلمين الذين كانوا يتدافعون ويتسابقون على الجهاد، جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر؟ بل أين أنت من أسامة بن زيد الذي قاد جيشًا لغزو الكفار وهو دون العشرين من عمره؟