فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 1363

• وعن ابن عباس رضي الله عنهما:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر فقال له أهلها: نحن أعلم بعملها منكم؛ فأعطاهم إياه بالنصف، ثم بعث عبد الله بن رواحة يقسم بينه وبينهم، فأهدوا له، فرد هديتهم، وقال: لم يبعثني النبي صلى الله عليه وسلم لآكل أموالكم، إنما بعثني لأقسم بينه وبينكم؛ ثم قال: إن شئتم عملتُ وعالجتُ وكلتُ لكم النصف، وإن شئتم عملتم وعالجتم ووكلتم لنا النصف؛ فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض".

أرجو من المسؤولين أن يتقوا الله في أنفسهم، وفي عمالهم، ووزرائهم، وفي رعاياهم، وأن يعملوا على نصر الظالم والمظلوم، وعلى محاسبة من يولون، ومعاقبتهم وعزلهم إن دعا الحال، وعليهم الاقتداء بما كان يفعله عمر مع عماله.

روي أن عمر رضي الله عنه كان يقاسم عماله أموالهم بناء على قرائن الأحوال، والشواهد الناطقة والصامتة، والمبدأ الذي قرره:"لي على كل خائن أمينان، الماء والطين".

وكان سبب مقاسمته لبعض عماله أن أبا المختار يزيد بن قيس بن الصَّعق قال شعرًا كتب به إليه يشكو عماله على الأهواز وغيرها، جاء فيه:

أبلغ أمير المؤمنين رسالة فأنت أمين الله في النهي والأمر

وأنت أمين الله فينا ومن يكن أمينًا لرب العرش يسلم له صدري

فلا تدعن أهل الرساتيق والقرى يسيغون مال الله في الأدم الوفر

فأرسل إلى الحجاج فاعرف حسابه وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر

ولا تنسين النافعين كليهما ولا ابن غلاب من سراة بني نصر

وما عاصم منها بصغر عناية وذاك الذي في السوق مولى بني بدر

وأرسل إلى النعمان فاعرف حسابه وصهر بني غزوان إني لذو خبر

وشبلًا فسله المال وابن مجرش فقد كان في أهل الرساتيق ذا ذكر

ولا تدعوني للشهادة إنني أغيب ولكني أرى عجب الدهر

من الخيل كالغزلان و البيض كالدمى وما ليس ينسى من قرام و من ستر

ومن ريطة مطوية في صوانها ومن طي أستار معصفرة جمر

إذا التاجر الهندي جاء بفارة من المسك راحت في مفارقهم تجري

نبيع إذا باعوا ونغزو إذا غزوا فأنى لهم وفر ولسنا بذي وفر

فقاسمهم نفسي فيداؤك إنهم سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر

وقد قاسم عمر مالهم فعلًا، وكان يحصي أموالهم قبل توليتهم ويصادر كل زيادة غير معقولة.

والله أسأل أن يردنا إليه ردًا جميلًا، وأن يرزقنا الحلال الطيب، ويغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، ويقنعنا بما رزقنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا القائل:"كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به"، والقائل:"أول ما ينتن من المرء بطنه، فإن استطعت أن لا تدخل فيه إلا الحلال الطيب فافعل"، أوكما قال.

إذا تزاحمت الشرور وليس هناك طاقة ولا قوة لدفعها جميعًا فلابد من التخيير والتمييز بينها، فكما أن الخير والإيمان درجات فكذلك الكفر والشر دركات، وبعض الشر أهون من بعض.

على المسلمين أفرادًا وجماعات أن ينحازوا ويعملوا لدفع شر الشرين، بخير الشرين، فمكره أخاك لا بطل.

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبًا فما حيلة المضطر إلا ركوبُها

ولهذا حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لغلبة الفرس المجوس على الروم المسيحيين، وعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان يعجبه موافقة أهل الكتاب اليهود، إلى أن ثبت له أن اليهود أشر من المشركين، فأمر بمخالفتهم، وبادرهم العداء حتى أجلاهم من جزيرة العرب، وقرر أن لا يجتمع في جزيرة العرب دينان.

فالعاقل الحق الذي يخاير بين الأمور، ويوازن بين الشرور، آخذًا بقاعدة أخف الضررين، ودفعًا لأخطر الأمرين.

قال عمرو بن العاص رضي الله عنه:"ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرين".

لقد تكالبت قوى الشر في الداخل والخارج وتنادت للقضاء على الإسلام، وانفردت قوى الشر والطغيان بقيادة العالم كله بعد القضاء على المعسكر الشرقي والشيوعية، ولم يبق للكفر عدو سوى الإسلام الخالص.

لهذا وجب على المسلمين قاطبة توحيد جهودهم، وتجميع صفوفهم، وتناسي خلافاتهم، والانتباه للخطر المحدق بهم، إن لم يتيسر جمع سائر أهل القبلة فأضعف الإيمان التأليف بين أهل السنة، وإن كان الخطر أكبر منهم بكثير.

لهذا كان لابد أن يكون شعار هذه المرحلة موالاة أي مسلم بقدر ما فيه من إيمان، والتنسيق معه سيما في العمل العام، والتنازل عن حظوظ النفس مقابل المحافظة على الهوية الإسلامية والانتماء للشريعة المحمدية.

ولا يليق بالمسلمين بحال من الأحوال أن يكون الجاهليون أكثر وعيًا وعقلًا منهم، حيث كان شعارهم في الحروب والنزاعات:"أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب"، لو عمل المسلمون جميعًا بهذه القاعدة لما استطاع الغزاة دخول كابل ولا بغداد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت