وذهب إلى منزله على أميال من المدينة، فقال عمر: أراه خائنًا؛ فبعث رجلًا بمائة دينار، وقال: انزل بعمير كأنك ضيف، فإن رأيت أثر شيء فأقبل، وإن رأيت حالًا شديدة فادفع إليه هذه المائة؛ فانطلق، فرآه يفلي قميصه، فسلم، فقال له عمير: انزل؛ فنزل، فساءله، وقال: كيف أمير المؤمنين؟ قال: ضرب ابنًا له على فاحشة فمات.
فنزل به ثلاثًا، ليس إلا قرص شعير يخصونه به، ويطوون؛ ثم قال: إنك قد أجعتنا؛ فأخرج الدنانير، فدفعها إليه، فصاح، وقال: لا حاجة لي بها، وردها عليه؛ قالت المرأة: إن احتجت إليها وإلا ضعها مواضعها؛ فقال: ما لي شيء أجعلها فيه؛ فشقت المرأة من درعها، فأعطته خرقة فجعلها فيها، ثم خرج يقسمها بين أبناء الشهداء.
وأتى الرجلُ عمرَ، فقال: ما فعل بالذهب؟ قال: لا أدري؛ فكتب إليه عمر يطلبه، فجاء، فقال: ما صنعت بالدنانير؟ قال: وما سؤلك؟ قدمتها لنفسي؛ فأمر له بطعام وثوبين، فقال: لا حاجة لي في الطعام، وأما الثوبان فإن أم فلان عارية؛ فأخذهما ورجع، فلم يلبث أن مات).
لقد ازدادت سطوة المسؤولين والموظفين واستشرى فسادهم وعم وطم في هذه الأيام، وأصبحوا أخطبوطًا يتسلطون على مصالح الناس، ويعطلون أعمالهم، ويعرقلون أشغالهم، فلا يمكن لمؤسسة، أوتاجر، أوفرد عادي أن يُنجز له عمل في جل دواوين الحكومة إلا إذا دخل في مساومة معهم وأجابهم لمطالبهم.
لم تكن الروشة والمحسوبية واستغلال الجاه بهذه الدرجة من الخطورة ولا بهذا الحجم من الانتشار من قبل، حيث كانت محصورة في بعض الطبقات الدنيا من الموظفين، أما الكبار فما كانوا يتعاطون شيئًا من ذلك.
أما الآن فقد تضاعفت هذه المفاسد أضعافًا كثيرة وتوسعت دائرة المستفيدين من الرشوة، بحيث أصبح الرائش وهو وسيط السوء يطالب بثلاثين وأربعين مليونًا أوأكثر مقابل تسجيل قطعة أرض استثمارية أومسحها، أولتكملة إجراءات تسليمها لصاحبها.
وأضحى العديد من كبار الموظفين في عدد من الوزارات والمصالح والمؤسسات والمصارف أغنى بكثير من بعض التجار، فمنهم من يمتلك العديد من المنازل والعمائر والعقار، ومنهم من يمتلك مصانع ومؤسسات ويدخل في مناقصات كبيرة، وهكذا، وكل هذا عن طريق استغلال الجاه والسلطة، سواء كان ذلك بطريق مباشر أوغير مباشر، بينما نجد أمثالهم من الموظفين بل من هو أقدم منهم وأجدر وأكفى من الأطهار الأخيار يسكنون في بيوت الإيجار ويعيشون عيشة الكفاف.
وسبب كل هذا الفساد والتردي يرجع إلى عدم الالتزام بالقواعد والضوابط السالفة الذكر، سيما عدم المراقبة والمحاسبة والعزل، وعدم إنزال العقوبات الصارمة على من تثبت إدانتهم ويتضح فسادهم وإفسادهم، فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
أين نحن من مسلك حكامنا الأخيار في النزاهة ومناصحة ومحاسبة من يولون؟ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، إليك هذه الآثار في النزاهة عن استغلال الجاه:
• روى أبو أمامة رضي الله عنه قال:"مكث عمر رضوان الله عليه زمانًا لا يأكل من المال شيئًا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشارهم، فقال: قد شغلتُ نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي منه؟ فقال عثمان رضي الله عنه: كل وأطعم؛ وقال ذلك سعيد بن زيد، فقال عمر لعلي: ما تقول أنت؟ قال: غداء وعشاء؛ فأخذ عمر بذلك".
• وعن قتادة قال:"كان معيقيب على بيت المال - في عهد عمر - فكسح بيت المال يومًا فوجد فيه درهمًا فدفعه إلى ابن عمر، قال معيقيب: ثم انصرفت إلى بيتي فإذا رسول عمر قد جاء يدعوني، فجئت فإذا الدرهم في يده، فقال: وحيك يا معيقيب أوجدت عليَّ في نفسك سببًا؟ أومالي ولك؟ فقلت: وما ذاك؟ قال: أردت أن تخاصمني أمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الدرهم يوم القيامة؟".
•"أهدى عامل لعمر نمرقتين لامرأة عمر، فعندما دخل عمر ورآهما قال: من أين لك هاتان؟ اشتريتيهما؟ خبريني ولا تكذبيني؛ قالت: بعث بهما إليَّ فلان؛ فقال: قاتل الله فلانًا لما أراد حاجة فلم يستطعها من قبلي أتاني من قبل أهلي؛ فاجتذبهما اجتذابًا شديدًامن تحت من كان عليهما جالسًا، فخرج يحملهما، فتبعته جاريتها فقالت: أصوافهما لنا؛ ففتقهما وطرح إليها الصوف وذهب بهما فأعطى إحداهما امرأة من المهاجرين والأخرى امرأة من الأنصار".
• روى سعيد بن المسيِّب:"أن عمر رضي الله عنه بعث معاذًا ساعيًا على بني كلاب وعلى بني سعد بن ذيبان، فقسم فيهم حتى لم يدع شيئًا، وعاد إلى المدينة بثوبه الذي خرج به منها، فقالت امرأته: أين ما جئت به مما يأتي به العمال من عراضة لأهليهم؟ فقال:كان معي ضاغط؛ فقالت: كنت أمينًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر فبعث عمر معك ضاغطًا؟ فقامت بذلك في نسائها، واشتكت عمر، فبلغ ذلك عمر، فدعا معاذًا فقال: أنا بعثت معك ضاغطًا؟ قال: لم أجد شيئًا أعتذر به إليها إلا ذلك؛ فضحك عمر، وأعطاه شيئًا، وقال: أرضها".