وسئل حذيفة عن قوله:"اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ"، هل عبدوهم؟ فقال: لا، ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وحرموا عليهم الحلال فحرموه"."
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في معناها:"إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا".
وقال السدي:"استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم".
ولما كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، فإنا نقول لمن صَدًّق الترابي في أقوال السوء الترابية الكفرية، أوشك فيما كان يعتقده من قبل من شرع محمد صلى الله عليه وسلم: تلك عبادتكم إياه.
ولهذا ختمت الآية:"وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا"، فمن اتخذ معه مشرِّعًا غيره فقد أشرك بالله، وهو أغنى الشركاء.
فمن صدَّق الترابي - أوشك فيما كان يعتقده من الشرع - في إباحته للردة، وإنكاره لحدها، وفي رفعه الكفر عن اليهود والنصارى، وفي أن أصل الإنسان قرد، وأن حواء أول الخلق وليس آدم، وكذب بأشراط الساعة الكبرى، وفي إجازته للمرأة أن تلي الإمامة الكبرى والصغرى، وأن الجنة ليس فيها حور عين، وما شابه ذلك من كفريات وضلالات أوبعضها، فقد اتخذه مشرِّعًا، وعبده من دون الله، وأصبح حكمه كحكمه.
وإياك إياك أن تقول: إن هذه الضلالات سبق إليها؛ فلا أسوة في الشر، أوتقول: أنا لن أزوج ابنتي ليهودي أونصراني، ولن أأتم بامرأة؛ فسواء في ذلك زوجتَ أم لم تزوج، وصليتَ خلف امرأة أم لم تصل، طالما أنك صدقت ما جاء به الترابي، ولم تنكر عليه وتهجره، فقد كذبتَ بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
فمن قال إن الخمر حلال فهو كافر، شربها أم لم يشربها، ومن قال هي حرام فهو مسلم ولو كان معاقرًا لها في كل حين.
نحن موقنون أن ليس كل شيعة الترابي والموالين له موافقين له في كل ما يقول به أوبعضه، لكن مما يجب التنبيه عليه والحذر منه أنه لا تجوز موالاة الترابي بأي درجة من درجات الموالاة، طالما أنه مصر على تلك الأقوال والاعتقادات الكفرية.
فلا يحل السلام عليه، ولا عيادته، ولا إجابة دعوته، دعك من اتخاذه قائدًا أورئيسًا.
فمن والاه بأي نوع من أنواع الموالاة فقد أغضب الله، ورسوله، والمؤمنين، وليعلم أنه ارتكب إثمًا عظيمًا، واقترف جرمًا كبيرًا، وأنه حادَّ وشاقَّ الله ورسوله.
وسواء في ذلك الذي يواليه سرًا أوجهرًا، أورضي، أوسُرَّ بما قال.
ورحم الله الإمام أحمد، عندما قيل له: هناك رجل يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية رضي الله عنهما؛ فقال: لا يسلم عليه، ولا يرد عليه السلام، ولا يصلي خلفه.
فكيف بمن أنكر ما هو معلوم من الدين ضرورة، وانتقص الرسل الكرام، ونال من الصحابة العظام، وازدرى وسخر من الأئمة الأعلام؟
ورحم الله العالم البطل، عبد الله بن المبارك، عندما رد فساد الدين إلى ثلاث طوائف، أخطرها علماء السوء، الأئمة المضلون، الرؤوس الجهال، الذين يفتون بغير علم فيَضِلوا ويُضِلوا.
حيث قال:
رأيتُ الذنوب تميت القلوبَ ويورث الذلَّ إدمانُها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ وأحبارُ سوء ورهبانُها
وباعوا النفوس فلم يربحوا ولم يغل في البيع أثمانُها
لقد رتع القوم في جيفة يبين لذي العقل إنتانُها
اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
اللهم ردنا إليك وجميع إخواننا المسلمين ردًا جميلًا، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم عليك بالجبابرة المتكبرين، وبالدجاجلة الساعين لتبديل وتطوير الدين، اللهم عليكهم فإنهم لا يعجزونك، وصلى الله وسلم على خاتم الرسل والأنبياء، وعلى آله وصحبه الأصفياء، وأتباعه الأوفياء
ينادي البعض في هذه الأيام بالوسطية، وقد عقدوا لذلك المؤتمرات، والندوات العلنية بعد السرية، وأنشأوا من أجل ذلك معاهد ومحاضن، للتسويق لإسلام جديد مغاير ومناقض للإسلام الذي بعث به سيد البرية محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عبارة عن خلطة بين ما تهواه أنفس أولئك الدعاة المشبوهين، وبين ما أفرزته الحضارة الكافرة، إسلام أمريكي، ليتمكنوا من تفريخ عدد من علماء سوء مفسدين مضلين، وأنصاف دعاة مهرجين مخربين.
يصدق على مثل هذه الدعوات المشبوهة التي تحركها أيد خبيثة معروفة، وينفذها بعض المنافقين والمخدوعين المستغلين، أنها دعوات حق يريدون بها باطلًا، وكلمات صدق يرمى من ورائها إلى تبديل الدين وتطويعه.
الوسطية الحقة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحبه الكرام، والتابعون لهم بإحسان في القرون الثلاثة الفاضلة، والأعصار الزاهية، قبل أن تنبت الفرق الكلامية، وتظهر العقائد الخلفية، كما جعلهم ربهم:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا"، ومن سار على نهجهم واتبع سبيلهم إلى يوم الدين.