المماطلة والتسويف من أخلاق المرء الخسيس، لقد أمر الله عباده بحسن القضاء والتقاضي، ونهى وحذر عن مطل الغني، وأمر وحض على إنظار المعسر، فالدِّين المعاملة.
فقال عز من قائل:"فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة".
وقال صلى الله عليه وسلم:"رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى".
وقال:"مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مَلِئٍ فليتبع".
لم تستشر هذه الصفة في مجتمع من مجتمعات المسلمين في الماضي مثل استشرائها وظهورها في هذا العصر، حيث أصبح مطل الأغنياء وتسويف المقتدرين من المسؤولين وغيرهم هو السمة الغالبة والظاهرة الطاغية، وتفنن الناس في أكل أموال الناس بالباطل، وأتوا بحيل وطرق لم تدر بخلد من كان قبلهم.
الدَّين هم بالليل ومذلة بالنهار، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا يستعيذ منه في صلاته، ويقول:"اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم"، وسئل عن سبب إكثاره من هذا، فقال:"إن المرء إذا استدان حَدَّث فكذب، ووعد فأخلف".
فمن أخر حقًا عليه مع القدرة على تسليمه فهو البغيض المذموم، والممقوت الملوم، وقد جاء في الأثر:"إن الله يبغض الغني الظلوم، والشيخ الجهول، والعائل المحتال".
وعن خولة بنت قيس رضي الله عنها قالت:"كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسق من تمر لرجل من بني ساعدة، فأتى يقتضيه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأنصار أن يقضيه، فقضاه تمرًا دون تمره، فأبى أن يقبله، فقال: أترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ومن أحق بالعدل من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فاكتحلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: صدق، ومن أحق بالعدل مني؟ لا قدَّس الله أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها، ولا يتعتعه؛ ثم قال: يا خولة، عِديه واقضيه، فإنه ليس من غريم لا يخرج من عند غريمه راضيًا إلا سلط عليه دواب الأرض ونون البحار، وليس من عبد يلوي غريمه وهو يجد إلا كتب الله عليه في كل يوم وليلة إثمًا".
الغني المماطل كلابس ثوبي زور، ومتشبع بمال غيره، فهو شحيح خسيس، وبخيل مسِّيك، كذاب، خداع، مراوغ، محتال.
أصحاب الحقوق إما أن يكونوا:
1.زوجة وأولاد وأقرباء.
2.أوعمال وأجراء.
3.أودائنين محسنين فضلاء.
وكل هؤلاء وغيرهم يحرم مطلهم، ويجب الإسراع بإعطائهم حقهم.
عليك أيها المسلم أن تؤدي هذه الحقوق المالية أو تتحلل منها قبل فوات الأوان، واستمع لما قاله رسولك صلى الله عليه وسلم:"من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أومن شيء، فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه".
واعلم أن الظلم ظلمات، وأن الله وعد بإجابة دعوة المظلوم ولو بعد حين، فاحذر دعاء المظاليم، وغضب رب العالمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
لقد قلت الأمانة، وكثرت الخيانة في مجتمعات المسلمين في هذا العصر بصورة مخيفة، لا سيما في مجال البيع والشراء، والتعامل بالدرهم والدينار، تنذر بخطر كبير، وشر مستطير، إن لم يتداركنا الله برحمته فنغير ما بأنفسنا، عسى الله أن يغير ما بنا.
فقد أصبح هم كثير منا جمع المال بأي طريقة، والحصول عليه بأي وسيلة، غير منظور لحلها أوحرمتها، وأضحى لسان حال كثير منا: الحلال ما حل في أيدينا، والحرام ما حرمنا الوصول إليه، وصدق فينا قول الله عز وجل:"وتأكلون التراث أكلًا لمًا. وتحبون المال حبًا جمًا"، واقتدى جلنا بما قاله قارون:"إنما أوتيته على علم عندي".
ومن العجيب الغريب تشدد البعض في مسائل الطهارة إلى درجة الوسواس، وتهاونهم وتساهلهم فيما يدخل بطونهم، على العكس والنقيض مما كان عليه السلف الصالح، خوفًا وحذرًا من قول نبيهم صلى الله عليه وسلم:"أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع أن لا يدخل فيه إلا الحلال الطيب فليفعل".
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن وهو طفل أخذ تمرة من تمر الصدقة فأدخلها في فيه، فقال له: كخ، كخ؛ حتى أخرجها من فيه.
وتناول أبوبكر الصديق رضي الله عنه شيئًا من خراج غلامه، وأدخله في فمه، وعندما أعلمه هذا الغلام أنه حصل عليها عن طريق الكهانة في الجاهلية تقيأها في الحال، وقيل له في ذلك، فقال: إن لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها؛ أوكما قال.
لهذا فقد حلت المحقة محل البركة، والقسوة محل الرحمة والشفقة، وكثرت الخصومات والنزاعات، وتقطعت الأرحام، وحرم المجتمع الأمن والأمان، وكاد أن يكون البيع الذي هو من المكاسب الطيبة والوسائل المشروعة من الخبائث لما دخله وصاحبه من الغش، والكذب، والحلف الكاذب، والحيل المحرمة، ونحوها.
لم يكتف سلفنا الصالح بالامتناع عن الحرام، بل تعدى الأمر عندهم أن امتنعوا عن أخذ وأكل كل ما فيه أدنى شبهة.