ومنهم من قال: إن النبي - عليه الصلاة والسلام - أراد بذلك المبادرة والإسراع إلى الخروج، وإذا حان الوقت صلينا الصلاة لوقتها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعنف أحدًا منهم ، ولم يوبخه على ما فهم ، وهم بأنفسهم لم يتفرقوا من أجل اختلاف الرأي في فهم حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وهكذا يجب علينا أن لا نتفرق، وأن نكون أمة واحدة .
قد يقول قائل: إذا كان المخالف صاحب بدعة ، فكيف نتعامل معه ؟ .
فأقول: إن البدع تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: بدع مكفرة .
القسم الثاني: بدع دون ذلك .
والواجب علينا في القسمين كليهما أن ندعو هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام، ومعهم البدع المكفرة وما دونها، إلى الحق ببيان الحق، دون أن نهاجم ما هم عليه إلاّ بعد أن نعلم منهم الاستكبار عن قبول الحق؛ لأن الله تعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم} ، فندعو أولًا هؤلاء إلى الحق ببيان الحق وإيضاحه بأدلته ، والحق مقبول لدى ذي كل فطرة سليمة ، فإذا وجد منهم العناد والاستكبار فإننا نبيّن باطلهم على أن بيان باطلهم في غير المجادلة معهم أمر واجب .
أما هجرهم فهذا يترتب على البدعة ؛ فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجرهم، وإذا كانت دون ذلك فإننا ننظر إلى الأمر ، فإن كان في هجرهم مصلحة فعلناه ، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه ، وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) )فكل مؤمن وإن كان فاسقًا فإنه يحرم هجره ما لم يكن في الهجر مصلحة، فإذا كان في الهجر مصلحة هجرناه؛ لأن الهجر دواء، أما إذا لم يكن فيه مصلحة، أو كان فيه زيادة في المعصية والعتو فإن ما لا مصلحة فيه تركه هو المصلحة .
وحل هذه المشكلة: أعني مشكلة التفرق أن نسلك ما سلكه الصحابة رضي الله عنهم وأن نعلم أن هذا الخلاف الصادر عن اجتهاد في مكان يسوغ فيه الاجتهاد لا يؤثر، بل إنه في الحقيقة وفاق؛ لأن كل واحد منا أخذ بما رأى بناءً على أنه مقتضى الدليل، إذن فمقتضى الدليل أمامنا جميعًا ، وكل منا لم يأخذ برأيه إلاّ لأنه مقتضى الدليل، فالواجب على كل واحد منا أن لا يكون في نفسه على أخيه شيء، بل الواجب أن يحمده على ما ذهب إليه ؛ لأن هذه المخالفة مقتضى الدليل عنده .
ولو أننا ألزمنا أحدنا أن يأخذ بقول الآخر ، لكن إلزامي إياه أن يأخذ بقولي ليس بأولى من إلزامه إياي أن آخذ بقوله ، فالواجب أن نجعل هذا الخلاف المبني على اجتهاد أن نجعله وفاقًا ، حتى تجتمع الكلمة ، ويحصل الخير .
وإذا حسنت النية سهل العلاج ، أما إذا لم تحسن النية ، وكان كل واحد معجبًا برأيه ، ولا يهمه غيره ، فإن النجاح سيكون بعيدًا .
وقد أوصى الله عباده بالاتفاق ، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} ، فإن هذه الآية موعظة للإنسان أي موعظة .
أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين، والصلحاء المصلحين إنه جواد كريم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين
لقد استطاع الكفار اليهود والنصارى لعنهم الله أن يغيروا كثيرًا من المفاهيم الإسلامية، وأن يقلبوا الموازين الشرعية، حتى أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والحق باطلًا والباطل حقًا، والجهاد المشروع إرهابًا، والإرهاب الذي يمارسه الكفار باسم الشرعية الدولية عدلًا ورحمة.
ويعود ذلك لأسباب هي:
1.الحملات الإعلامية المكثفة التي تبثها وسائل الإعلام الكافرة، فقد أضحى للإعلام دور كبير في التأثير على الناس، لتقدم وسائل الاتصال وكثرتها، مما جعل العالم كله عبارة عن قرية صغيرة، ولضعف وسائل الإعلام الإسلامية وتأثرها بمايبثه الكفار.
2.حرب المصطلحات التي انتهجها الكفار منذ القرن الماضي، التي أتت ثمارها في فرض والترويج لما يريدون فرضه وترويجه.
3.تقدم الكفار الصناعي والعسكري مكَّنهم من فرض سيطرتهم وهيمنتهم على العالم، وولد في المسلمين روح الانهزام والتبعية للكفار، وهذه دائمًا حال المغلوب مع الغالب.
4.انتهاج الكافر المستعمر ـ بعد أن أسقطوا الدولة العثمانية ـ لسياسة"فرِّق تسُد"، التي قسَّموا من أجلها الدولة الإسلامية إلى دويلات صغيرة، بحدود وهمية، وخلفوا في كل دولة منها قبل خروجهم الصوري والاستقلال الرسمي الذي منحوه لتلك الدول ألغامًا موقوتة، سرعان ما تفجرت، نتج عنها أمران، هما:
أ . تفرق المسلمين، وتشتتهم، وتنافرهم، وتباغضهم، بل وتحاربهم.
ب . موالاة جل حكام المسلمين للكفار، واعتمادهم عليهم في حماية أنظمتهم.