ومن التطرف ما يكون من الآباء والأمهات في زمننا هذا حين صار الشباب - ولله الحمد - من ذكور وإناث عندهم اتجاه إلى العمل بالسنة بقدر المستطاع ، صار بعض الآباء والأمهات يضايقون هؤلاء الشباب من بنين وبنات في بيوتهم ، وفي أعمالهم حتى إنهم لينهونهم عن المعروف ، مع أنه لا ضرر على الآباء في فعله ، ولا ضرر على الأبناء أو البنات في فعل هذا المعروف ، كمن يقول لأولاده: لا تكثروا النوافل لا تصوموا البيض، أو الاثنين، أو الخميس، أو ما أشبه ذلك، مع أن هذا لا يضر الوالدين شيئًا ، ولا يحول دون قضاء حوائجهما ، وليس بضار على الابن في عقله ، أو بدنه ، أو في درسه ، ولا على البنت كذلك .وأنا أخشى على هؤلاء القوم أن يكون هذا النهي منهم لأولادهم كراهة للحق والشريعة ، وهذا على خطر ، فالذي يكره الحق أو الشريعة ربما يؤدي به ذلك إلى الردة ؛ لأن الله تعالى يقول: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} . ولا تحبط الأعمال إلا بردة عن الإسلام كما قال الله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} . هذا مثال من الشدة في أولياء الأمور .
أما بالنسبة للأولاد من بنين أو بنات إذا كانوا متمشين في مناهجهم وسيرهم على شريعة الله ، فليسوا في شدة .
وهناك في المقابل من يكون شديدًا من الأولاد بنين وبنات على أهله ، بحيث لا يتسع صدرهم لما يكونون عليه من الأمور المباحة ، فتجده يريد من أبيه أو أمه أو إخوته أن يكونوا على المستوى الذي هو عليه من الالتزام بشريعة الله ، وهذا غير صحيح ، فالواجب عليك إذا رأيتهم على منكر أن تنهاهم عنه ، أما إذا رأيتهم قد قصروا في أمر يسعهم التقصير فيه كترك بعض المستحبات فإنه لا ينبغي لك أن تشتد معهم ، وكذلك في بعض الأمور الخلافية يجب عليك إذا كانوا مستندين إلى رأي أحد من أهل العلم أن لا تضيق بهم ذرعًا ، وأن لا تشتد عليهم .
فالذي ينبغي للإنسان سواء أكان داعية لغيره إلى الله ، أم متعبدًا لله أن يكون بين الغلو والتقصير، مستقيمًا على دين الله تعالى كما أمر الله صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} .
وإقامة الدين: الإتيان به مستقيمًا على ما شرعه الله تعالى ، ولا تتفرقوا فيه، نهى عن ذلك سبحانه وتعالى؛ لأن التفرق خطره عظيم على الأمة أفرادًا وجماعات.
والتفرق أمر مؤلم ومؤسف؛ لأن الناس إذا تفرقوا كما قال الله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} ، فإذا تفرق الناس، وتنازعوا فشلوا وخسروا وذهبت ريحهم، ولم يكن لهم وزن، وأعداء الإسلام ممن ينتسبون للإسلام ظاهرًا، أو ممن هم أعداء للإسلام ظاهرًا وباطنًا يفرحون بهذا التفرق، وهم الذين يشعلون ناره، ويلقون العداوة والبغضاء بين هؤلاء الإخوة الدعاة إلى الله ، فالواجب أن نقف ضد كيد هؤلاء المعادين لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه، وأن نكون يدًا واحدة ، وأن نكون إخوة متآلفين على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما كان سلف الأمة في سيرهم ودعوتهم إلى الله تعالى ، ومخالفة هذا الأصل ربما تؤدي إلى انتكاسة عظيمة ، والتفرق هو قرة عين شياطين الإنس والجن ؛ لأن شياطين الإنس والجن لا يودون من أهل الحق أن يجتمعوا على شيء ، بل يريدون أن يتفرقوا لأنهم يعلمون أن التفرق تفتت للقوة التي تحصل بالالتزام بالوحدة والاتجاه إلى الله تعالى ويدل على هذا قوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} ، وقوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} ، وقوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء} ، وقوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} .
فالله تعالى قد نهانا عن التفرق ، وبيّن لنا عواقبه الوخيمة ، والواجب علينا أن نكون أمة واحدة ، وكلمة واحدة ، وإن اختلفت آراؤنا في بعض المسائل ، أو في بعض الوسائل ؛ فالتفرق فساد وشتات للأمر ، وموجب للضعف ، والصحابة -رضوان الله عليهم - حصل بينهم اختلاف لكن لم يحصل منهم التفرق ولا العداوة ولا البغضاء ، حصل بينهم الاختلاف حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: (( لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة ) )، وخرجوا - رضوان الله عليهم - من المدينة إلى بني قريظة ، وحان وقت صلاة العصر ، فاختلف الصحابة ، فمنهم من قال: لا نصلي إلا في بني قريظة ولو غابت الشمس ؛ لأن الرسولصلى الله عليه وسلم قال: (( لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة ) )فنقول سمعنا وأطعنا .