الوقفة الرابعة: أن الثبات والنجاة وقت الفتن من عند الله فلا تعلق قلبك بغيره سبحانه ولا تظنن أن المخلوق يملك لك شيئًا ولتعلم أن المقادير وأن الكون كله بيده سبحانه فهو الذين يثبت المؤمنين كما قال جل وعلا وليس المخلوقين: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) فعليك بالدعاء فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم أمرنا بالتعوذ من الفتن ما ظهر منها ومابطن ،والله سبحانه يحب من عباده أن يدعوه ويتضرعوا إليه عند حلول البلاء فقال سبحانه: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، فلولا إذجاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) وقال سبحانه: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) .
الوقفة الخامسة: أن من أقوى العوامل على الثبات على الحق عند حلول الابتلاء بعد رحمة الله وتثبيته للمؤمن هو الصبر ومن أوتي الصبر فقد أوتي الخير كله وتدبر معي الآيات التي ذكرت الابتلاء كيف نوهت وأشادت بالصبر فالله سبحانه لما قال ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ) قال في آخر الآية ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) ، وقال سبحانه ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين ) ، وقال سبحانه مبينا العاقبة الحميدة للصبر حينما يبتلى المؤمنون بكيد الأعداء قال ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا ) ، وأنبياء الله هذا منهجهم عند حلول البلاء والفتنة الصبر: ( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذِّبوا ) .
الوقفة السادسة: إن الابتلاء يدل على صحة المسار وصدق السائر إلى الله الداعي إلى رضوانه سبحانه وتعالى ، فالأنبياء أشد الناس بلاء وبقدر إيمان العبد يزاد له في البلاء ، وهو طريق الإمامة في الدين والتمكين في الأرض قال سبحانه ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) ، وقال بعض السلف بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ، وقال الإمام مالك: إن محمد بن المنكدر لما ضرب فزع لضربه أهل المدينة فاجتمعوا إليه فقال: لا عليكم إنه لاخير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر .
الوقفة السابعة: إن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ونصرة دين الله من أعظم الأسباب للثبات على الدين وقت نزول المحن والبلايا ، كما قال جل وعلا: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) فبسبب صدقهم وبذلهم وجهادهم ودعوتهم وفقوا وهدوا لمايحبه الله وهو الثبات على الدين ، وفازوا بمعية الله وتأييده لهم ونصرتهم سبحانه لهم ، فكيف يهزم ويخذل من كان الله معه نسأل الله أن يثبتنا على الحق وأن لا يكلنا إلى أنفسنا أو إلى أحد من خلقه طرفة عين.
علي الحمادي
تنتشر الشبهات انتشار النار في الهشيم في الأوساط الجاهلة، فكلما كثر الجهل والجهلاء كلما كانوا أكثر استعدادًا للتأثر بالشبهات، في حين أن العلم نور يستضيء به العلماء، فلا تستقر به تهمة، ولا تصدق به شبهة.
إن مشكلة كثير من الدعاة، فضلًا عن عامة المسلمين، أنهم قليلوا العلم، لا سيما العلم الشرعي، لذلك عندما يطلق بعض الناس شبهة أو يرمي بتهمة تجد البلبلة تدب في صفوف هذا الصنف من الدعاة، ويصبحون في حيص بيص، لا يعرف أحدهم كيف يرد على هذه التهم، بل لا يدري كيف يقنع نفسه بزيف هذه الشبهات وأنها لا تؤثر على سلامة الطريق الذي يسلكه والمنهج الذي يتبعه، فيصاب بالحيرة والشك والارتياب.
إن هذا الدين قد عظم من مكانة العلم والعلماء حتى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم". (رواه الترمذي وقال حديث حسن) .
وقال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه:"من عمل بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلح".
وقال الحسن البصري - رحمه الله:"موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اطرد الليل والنهار". (1)
ويقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه:
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم
على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه
والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش به حيًا أبدًا
الناس موتى وأهل العلم أحياء (2)
ويقول آخر:
تعلم فليس المرء يولد عالمًا
وليس أخو علم كمن هو جاهل
فإن كبير القوم لا علم عنده
صغير إذا التفت عليه الجحافل
وأن صغير القوم إن كان عالمًا
كبير إذا ردت إليه المحافل (3)
إن الذي يستطيع أن يقف سدًا منيعًا أمام الشبهات هو ذلك الذي أنار الله قلبه وعقله بالعلم والمعرفة، لا كما يظن بعض الدعاة أن الإنسان كلما كانت له سابقة دعوية وأمضى سنوات طويلة في الدعوة فإنه يكون أبعد عن التأثر بالشبهات.