5.إيهام الكفار لبعض حكام المسلمين بخطورة الجماعات الإسلامية على أنظمتهم وعروشهم، مما خلق عداوة وهمية مع هذه الجماعات، وحاجزًا نفسيًا جعل من العسير خلق جسور تفاهم وتقارب بين الطائفتين.
لهذه الأسباب ولغيرها هان على كثير من حكام المسلمين القيام بحملات عنيفة للتفتيش، والتضييق، والحبس، والتقتيل إن دعا الحال لإخوانهم المسلمين، وتسليم بعض اللائذين بهم الفارِّين بدينهم من حكامهم إليهم أوإلى الكفار، وهم يعلمون أن مصيرهم القتلَ والتنكيل.
واستباحوا ممارسة انتهاك هذه الحُرَم بهذه التهمة التي اختلقها الكفار، وفي كثير من الأحيان من غير حجة ولا برهان، وإنما أخذًا بالظنون الفاسدة والتخيلات الكاذبة.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا ومرفوعًا قال:"يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء، يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها، والسحت بالهدية، والقتل بالريبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع".
قال الإمام الشاطبي رحمه الله:(فإن الثلاثة المذكورة أولًا قد سنت، وأما السحت الذي هو العطية للوالي والحاكم ونحوهما باسم الهدية فهو ظاهر، واستحلال القتل باسم الإرهاب الذي يسميه ولاة الظلم سياسة وأبهة الملك ونحو ذلك فظاهر أيضًا، وهو نوع من أنواع شريعة القتل المخترعة.
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بذلك، فقال:"إن من ضئضئي هذا قومًا يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"، ولعل هؤلاء المرادون بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"يصبح الرجلُ مؤمنًا ويمسي كافرًا"الحديث، يدل عليه تفسير الحسن قال: يصبح محرِّمًا لدم أخيه وعرضه، ويمسي مستحلًا، إلى آخره).
لماذا لم يسلك حكامنا مع هؤلاء الشباب ومع غيرهم ما سلكه سلفنا الصالح مع الخارجين عليهم وعلى الدين؟ لماذا لم يناظروهم، ويجادلوهم، ويؤمنوهم، كما فعل عليّ، وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم من حكام المسلمين؟
روى ابن عبد البر بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما اجتمعت الحرورية يخرجون على عليّ، جعل يأتيه الرجل فيقول: يا أمير المؤمنين! إن القوم خارجون عليك؛ قال: دعهم حتى يخرجوا؛ فلما كان ذات يوم قلتُ: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم؛ قال: فدخلتُ عليهم وهم قائلون.. إلخ)
فناظرهم ابن عباس ورجع منهم ألفان، ولم يخرج على عليّ منهم إلا من كتب له الشقاء.
واللهَ أسألُ أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يهديهم سبل الرشاد، وصلى الله وسلم على محمد خير العباد، وعلى آله وصحبه الأمجاد
الحمد لله والصلاة والسلام على أفضل رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..
لقد أمر الله موسى وهارون عليهما السلام أن يرفقا بعدو الله وعدو نفسه فرعون، مع سابق علمه بكِبْره، وصلفه، وكفره، وعناده، قائلًا:"اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أويخشى".
ما أمس حاجتنا معشر المسلمين، سيما الدعاة، إلى الرفق والتلطف في شأننا كله، في:
1.معاملتنا لأهلينا ومن نعول.
2.معاملتنا للآخرين.
3.تعليمنا للناس.
4.دعوتنا لهم.
5.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لقد مدح اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم بقوله:"ولو كنتَ فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك"، وشهد له بحسن الخلق فقال:"وإنك لعلى خلق عظيم"، ووصفه بصفتين من صفاته العلا، فقال:"لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه من عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم".
وقال تعالى:"وقولوا للناس حسنًا"، أي خاطبوا جميع المخلوقين بالحسنى، وقال مخاطبًا الأمة في شخص نبيها صلى الله عليه وسلم:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، جاء في تفسيرها: (هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين، دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة، فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين، وقد قيل إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورُجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة، والله أعلم) .
لقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلم والرفق والرفقاء، وبيَّن أن الله عز وجل رفيق يحب الرفق، فقال لأشج عبد القيس رضي الله عنه:"إن فيك خَصلتين يحبهما الله: الحِلم والأناة".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله رفيق يحب الرفق كله".
وفي رواية عنها لمسلم:"إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه".
وعنها كذلك عند مسلم:"إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".