من المخالفات التي لم يدرج عليها السلف التوسع في الدعوة واستدعاء الناس والإعلان لشهود ختم القرآن.
صح عن أنس رضي الله عنه أنه كان يدعو أهله لشهود ختم القرآن، وقد تبعه على ذلك بعض السلف، لكن الأمر لم يكن بالصورة التي نراها اليوم.
قال ابن الحاج المالكي رحمه الله وهو يعدد البدع التي أحدثها البعض في ختم القرآن في رمضان وغيره ويحذر منها:(وينبغي له أن يتجنب ما أحدثوه من البدع في تواعدهم للختم، فيقولون: فلان يختم في ليلة كذا، وفلان يختم في ليلة كذا، ويعرض ذلك بعضهم على بعض، ويكون ذلك بينهم بالنوبة، حتى صار ذلك كأنه ولائم تعمل وشعائر تظهر.
إلى أن قال: وأما إن كان إنسان يريد أن يختم لنفسه في أي وقت كان من السنة فيجمع أهله لتعمهم الرحمة، لأن الرحمة تنزل عند ختم القرآن، فذلك جائز لفعل أنس رضي الله عنه).
السابعة: الاحتفاء بختم القرآن، وإحضار الحلوى، والشاي، والذبح، وإقامة الولائم لذلك
هذه أيضًا من المخالفات، وتدخل في باب"طعام المتبارين"، أي المتنافسين، لما يصحب ذلك من الفخر والرياء والسمعة.
ولذلك حذر من ذلك السلف، وذلك أن الأصل في العبادات أن تخفى بقدر المستطاع، ولا تعلن ويجاهر بها.
قال ابن الحاج معددًا بدع ختم القرآن عند أهل زمانه:(ثم إنهم يعملون أنواعًا من الأطعمة والحلاوات، فسبحان الله ما أضر البدع، وما أكثر شؤمها، حتى لقد رأيت بعض المشايخ عمل لولده ختمًا ببعض ما ذكر، فلما جاءت السنة الثانية سألته عن ولده في أي موضع صلى القيام، فقال لي: أنا منعته من القيام؛ فقلت له: ولِمَ؟ قال: لأن الأصحاب والإخوان والمعارف يطالبونني بالختم فأحتاج إلى كلفة كثيرة.
فانظر إلى شؤم البدع كيف جَرَّت إلى ترك الطاعات، وترك المحافظة على حفظ الختمة).
هذا ما أحببت التنبيه عليه وتذكير إخواني المسلمين به، والله أسأله القبول، وحسن القصد، وأن ينفع بها من اطلع عليها، وأن يردنا جميعًا إلى كتابه وسنة نبيه ردًا جميلًا.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه الطيبين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
السنة أن يصلي المرء الصلوات المكتوبة، والجمعة، والقيام، والعيدين، في المسجد الذي يليه، ما لم تكن هناك علة مانعة عن ذلك.
والعلل الشرعية التي تخوِّل للمرء التحول إلى مسجد آخر غير المسجد المجاور مايأتي:
أن يكون الإمام:
1.مرميًا ببدعة.
2.أومعلنًا لفجور.
3.أولا يتم الركوع والسجود، ولا يطمئن في صلاته.
4.أويلحن لحنًا جليًا يغير المعنى.
5.أوأن يكون في المسجد قبر، سيما إلى جهة القبلة.
أما أن يهجر المسجد الذي يليه بحثًا عن الصوت الحسن، والخطب المؤثرة الرنانة، أوللاجتماع ببعض الأصدقاء، أولعدم استلطاف الإمام مثلًا فهذا لا يجوز، وهو مخالف لما كان عليه السلف، وإليك الأدلة:
1.عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليصلِّ أحدُكم في المسجد الذي يليه ولا يتخطاه إلى غيره".
وفي رواية:"ليصل الرجل في المسجد الذي يليه ولا يتتبع المساجد".
قال المناوي رحمه الله في فيض القدير في بيان"ولا يتتبع المساجد": (أي لا يصلي في هذا مرة، وفي هذا مرة، على وجه التنقل فيها فإنها خلاف الأولى) .
2.سدًا لذريعة:
(1) هجر المسجد.
(2) وإيغار وإيحاش صدر الإمام.
(3) وتشجيع الآخرين على هجر المسجد.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تحت عنوان"اهتمام الشرع بسد الذرائع"بعد أن روى الحديث السابق: (وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإيحاش صدر الإمام، وإن كان الإمام لا يتم الصلاة، أويرمى ببدعة، أويعلن فجورًا، فلا بأس بتخطيه إلى غيره) .
3.ذكر ابن القيم رحمه الله عن محمد بن بحر قال: رأيت أبا عبد الله - أحمد بن حنبل - في شهر رمضان وقد جاء فضل بن زياد القطان فصلى بأبي عبد الله التراويح، وكان حسن القراءة، فاجتمع المشايخ وبعض الجيران حتى امتلأ المسجد، فخرج أبوعبد الله فصعد درجة المسجد فنظر إلى الجمع، فقال: ما هذا؟ تدعون مساجدكم وتجيئون إلى غيرها؟ فصلى بهم ليالي ثم صرفه كراهية لما فيه، يعني من إخلاء المساجد، وعلى جار المسجد أن يصلي في مسجده).
يتجلى تخطي البعض للمساجد القريبة والهجرة إلى مساجد بعيدة في الجمع، وقيام رمضان على وجه الخصوص، سيما في مكة والمدينة حيث تجد كثيرًا من مساجد الأحياء شبه مهجورة بحثًا عن الأصوات الحسنة، والقنوت المسجوع، غير مراعين لما يحدثه ذلك في نفوس بعض الأئمة، وعلى الرغم مما يجدونه من زحام يذهب بالاطمئنان والخشوع في الصلاة.
وأعجب من ذلك أن ينقل بعض الأئمة في الليلة الواحدة من ليالي العشر من رمضان من مسجد إلى مسجد، فيصلي في هذا ركعتين أوأربع، وفي ذاك ركعتين أوأربع، وهكذا.