قال الإمام الشاطبي المالكي رحمه الله وهو يجيب على تساؤل: كيف يتأتى قصد الشارع الإخلاص في الأعمال العادية وعدم التشريك فيها؟:(قيل معنى ذلك أن تكون معمولة على مقتضى المشروع، لا يقصد بها عمل جاهلي، ولا اختراع شيطاني، ولا تشبه بغير أهل الملة، كشرب الماء والعسل في صورة شرب الخمر، وأكل ما صنع لتعظيم أعياد اليهود والنصارى، وإن صنعه المسلم، أوذبح على مضاهاة الجاهلية، وما أشبه ذلك مما هو نوع من تعظيم الشرك، كما روى ابن حبيب عن ابن شهاب أنه ذكر له أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي أجرى عينًا، فقال له المهندسون عن ظهور الماء: لو أهرقت عليها دمًا كان أحرى أن لا تغيض، ولا تهور فتقتل من يعمل فيها؛ فنحر جزائر، حين أرسل الماء فجرى مختلطًا بالدم، فأمر فصنع له ولأصحابه منها طعامًا، فأكل وأكلوا، وقسم سائرها بين العمال فيها؛ فقال ابن شهاب: بئس والله ما صنع، ما حل له نحرها ولا الأكل منها، أما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نهى أن يذبح للجن"؛ لأن مثل هذا وإن ذكر اسم الله عليه مضاهاة لما ذبح على النصب، وسائر ما أهل لغير الله به.
وكذلك جاء النهي عن"معاقرة الأعراب"، وهي أن يتبارى الرجلان فيعقر كل واحد منهما، يجاود به صاحبه، فأكثرهما عقرًا أجودهما، نهى عن أكله لأنه مما أهل لغير الله به.
قال الخطابي: وفي معناه ما جرت به عادة الناس من ذبح الحيوان بحضرة الملوك والرؤساء عند قدومهم البلدان، وأوان حوادث تتجدد لهم، وفي نحو ذلك من الأمور.
وخرج أبوداود:"نهى عليه الصلاة والسلام عن طعام المتبارين أن يؤكل، وهما المتعارضان ليرى أيهما يغلب صاحبه؟ وهذا وما كان نحوه إنما شرع على جهة أن يذبح على المشروع يقصد مجرد الأكل، فإذا زيد فيه هذا القصد كان تشريكًا في المشروع، ولحظًا لغير أمر الله تعالى، وعلى هذا وقعت الفتية من ابن عتاب بنهيه عن أكل اللحوم في النيروز، وقوله فيها مما أهل لغير الله به، وهو باب واسع)."
ويلحق بذلك ما يصنعه البعض من تقديم"بليلة"، أو"زلابيا"، أو شاي وتمر، ويرسولونه إلى المساجد والخلاوي، فيغلب على الظن أن أغلبه يتقرب به لغير الله، فلابد من التحوط والتثبت قبل الأكل.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من سد جميع الذرائع التي قد تؤدي إلى فساد العقائد، وعلى آله وصحبه الطاهرين الطيبين، وعنا معهم بعفوك وجودك يا كريم.
كما أن السنن الكونية لا تتغير ولا تتبدل إلا عندما يأذن الله بخراب الدنيا في آخر المطاف، فتختل السنن الكونية، وتتغير الموازين الكلية، وتتبدل النواميس الأرضية، فيكون اليوم من أيام المسيح الدجال الأربعين، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، أي أسبوع، وباقي أيامه كسائر أيامنا، ثم تخرج الشمس من غير مخرجها المعتاد، تخرج من المغرب.
فكذلك الأمر بالنسبة للسنن الشرعية، والثوابت القطعية، والمسائل الكلية، فإنها لا ينبغي لها أن تتغير أوتتبدل عما كانت عليه في عهد الإسلام الأول، وإلا حل الخراب والدمار، وفسد الحال، ولا مجال للإصلاح إلا بالرجوع إلى الأمر الأول:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
حيث لا يمكن أن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وقد صلح أول هذه الأمة بالاعتصام بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه السلف الصالح، وبعدم التنازل عن الثوابت.
لذلك فإن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، الذين لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، ولا يميزون بين سنة وبدعة، وحلال وحرام.
فمهما قل تمسك الناس بالدين، والتزامهم بسنة سيد المرسلين، إلا وأثر ذلك على حياتهم ومعاشهم:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس"،"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض"،"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمَرْنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا"، فكما تدين الأمة تدان، فتخلي الناس عن الدين، وتهاونهم بسنة نبيهم الكريم، نذير شؤم وعلامة خطر عليهم، وكذلك قيام طائفةمن هذه الأمة بالأمر والنهي، والجهاد للدفاع عن الدين، ولصد المعتدين، من أوجب الواجبات، حيث يرفع الإثم عن الأمة، ويحد من غضب رب العالمين.