أحدها أن اللام للتعليل ، أي خلقها لكم لعلة الركوب والزينة ، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر ، فإباحة أكلها يقتضي خلف ظاهر الآية .
ثانيها: عطف البغال والحمير عليها ، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم .
ثالثها: أن الآية الكريمة سيقت للامتنان ، وسورة النحل تسمى سورة الامتنان . والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ، ويترك أعلاها ، لا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها .
رابعها: لو أبيح أكلها لفاقت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة .
وأما الحديث: فهو ما رواه الإمام أحمد وأبو داود ، والنسائي وابن ماجه ، عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: « نَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لُحُوم الخيل والبغال والحَمِير » .
ورد الجمهور الاستدلال بالآية الكريمة . بأن آية النحل نزلت في مكة اتفاقًا ، والإذن في أكل الخيل يوم خيبر كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين ، فلو فهم النَّبي صلى الله عليه وسلم المنع من الآية لما أذن في الأكل ، وأيضًا آية النحل ليست صريحة في منع أكل الخيل ، بل فهم من التعليل ، وحديث جابر ، وحديث أسماء بنت أبي بكر المتفق عليهما . كلاهما صريح في جواز أكل الخيل . والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول .
وأيضًا فالآية على تسليم صحة دلالتها المذكورة ، فهي إنما تدل على ترك الأكل ، والترك أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه ، أو خلاف الأولى ، وإذا لم يتعين واحد منهما بقي التمسك بالأدلة المصرحة بالجواز .
وأيضًا فلو سلمنا أن اللام للتعليل ، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة . فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما ، وفي غير الأكل اتفاقًا ، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل .
ونظيره حديث البقرة المذكور في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: « إنا لم نخلق لهذا . إنا خلقنا للحرث » فإنه مع كونه أصرح في الحصر لم يقصد به إلا الأغلب ، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقًا .
وأيضًا فلو سلم الاستدلال المذكور للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير للحصر المزعوم في الركوب والزينة . ولا قائل بذلك .
وأما الاستدلال بعطف الحمير والبغال عليها . فهو استدلال بدلالة الاقتران ، وقد ضعفها أكثر العلماء من أهل الأصول . كما أشار له في ( مراقي السعود ) بقوله:
أما قران اللفظ في المشهور ... فلا يساوي في سوى المذكور
وأما الاستدلال بأن الآية الكريمة سيقت للامتنان: فيجاب عنه بأنه قصد به ما كان الانتفاع به أغلب عند العرب . فخوطبوا بما عرفوا وألفوا ، ولم يكونوا يألفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم ، وشدة الحاجة إليها في القتال ، بخلاف الأنعام: فأكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال ، وللأكل .
فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به فيه .
فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق للزم مثله في الشق الآخر كما قدمنا .
وأما الاستدلال بأن الإذن في أكلها . سبب لفنائها وانقراضها:
فيجاب عنه: بأنه أذن في أكل الأنعام ولم تنقرض ، ولو كان الخوف عن ذلك علة لمنع في الأنعام لئلا تنقرض ، فيتعطل الانتفاع بها في غير الأكل .
قاله ابن حجر ، وأما الاستدلال بحديث خالد بن الوليد رضي الله عنه: فهو مردود من وجهين:
الأول: أنه ضعفه علماء الحديث . فقد قال ابن حجر في ( فتح الباري ) في باب « لحوم الخيل » ما نصه: « وقد ضعف حديث خالد أحمد والبخاري وموسى بن هارون ، والدارقطني ، والخطابي ، و ابن عبد البر ، وعبد الحق ، وآخرون » .
وقال النووي: في « شرح المهذب » واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم . على أن حديث خالد المذكور حديث ضعيف ، وذكر أسانيد بعضهم بذلك . وحديث خالد المذكور مع أنه مضطرب . في غسناده صالح بن يحيى ابن المقدام بن معد يكرب . ضعفه غير واحد ، وقال فيه ابن حجر في « التقريب » : لين . وفيه أيضًا: والده يحيى المذكور الذي هو شيخه في هذا الحديث . قال فيه في « التقريب » : مستور .
الوجه الثاني: أنا لو سلمنا عدم ضعف حديث خالد . فإنه معارض بما هو أقوى منه كحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: « نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ، ورخص في لحوم الخيل » ، وفي لفظ في الصحيح « وأذن في لحوم الخيل » ، وكحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها قالت: « نحرنا فرسًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه » متفق عليهما .
ولا شك في أنهما أقوى من حديث خالد ، وبهذا كله تعلم أن الذي يقتضي الدليل الصريح رجحانه إباحة أكل لحم الخيل ، والعلم عند الله تعالى ، ولا يخفى أن الخروج من الخلاف أحوط ، كما قال بعض أهل العلم .
وإن الأورع الذي يخرج من ... خلافهم ولو ضعيفًا فاستبن
فتاوى الشبكة الإسلامية - (ج 7 / ص 3307)
رقم الفتوى 54073 حكم التداوي بلبن الخيل
تاريخ الفتوى: 18 شعبان 1425