القول بالموجب: قريب الشبه بأسلوب الحكيم، لأن القول بالموجب هو ردّ المتكلم قول المخاطب من فحوى كلامه، وذلك بأن يعمد إلى لفظ من ألفاظ حديثه، ويحمله على غير ما أراده المخاطب من دون تغيير في اللفظ.
نحو قوله تعالى: ( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون: هو أُذُنٌ. قل: أُذُنُ خير لكم، يؤمن بالله، ويؤمن للمؤمنين، ورحمة الذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) (التوبة: 61) . الأذن: هو السماع للناس غير المكذب لهم، قالها المنافقون بقصد الإيذاء للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) .
ولكن الله سبحانه لم ينفها عن نبيه، وإنما حملها بنفس لفظها على غير ما أراده المنافقون. فحملها على حسن الخلق والرحمة للمؤمنين.
ونحو قوله تعالى: ( يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ولله العزّة، ولرسوله، وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون) .
جعل المنافقون أنفسهم على طرفي نقيض مع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ثم نسبوا صفة حميدة لأنفسهم، وأخرى ذميمة للرسول، والمؤمنين، ثم رد الصفة الذميمة على المنافقين، من دون نفيها عنهم، لأنهما على طرفي نقيض، فبنسبة العزة للمؤمنين، فالذلّة تكون على المنافقين.
ومن لطائف القول بالموجب:
ما حكي أن خالد بن الوليد، سأل أحد أعيان الحيرة عندما فتحها، قال له: من أين خرجت؟ فقال الرجل: من بطن أمي. فعلام أنت؟ فقال: على الأرض. قال: فيم أنت؟ فقال: في ثيابي. قال: أتعقل لا عقلت؟ فقال: أي والله وأقيد! قال: ابن كم أنت؟ فقال: ابن رجل واحد! قال خالد: ما رأيت كاليوم قط إني أسأله وينحو في غيره! فقال الرجل: ما أنبأتك إلا عما سألت. فسل عما بدا لك.
فقصد خالد من السؤال الأول: من أي بلد جئت. فحمل الرجل الخروج على معنى، آخر عير المراد، ولكنه لم يغير ، ولم يبدل.
وقصده من الثاني: على أي عقيدة أنت، أو بأي دين تدين.
وقصده من الثالث: نفس قصده من الثاني.
وقصده من الرابع: أتفهم لا فهمت، فحملها الرجل على عقال البعير.
ومن الخامس: كم مضى من عمرك.
ومن لطائفه في الشعر قول أحدهم:
قلت: ثَقّلْتُ إذا أتيتُ مرارًا قال: ثَقْلتَ كاهلي بالأيادي
قلتُ: طوّلت. قال: أوليت طولًا قلت: أبْرَمتُ، قال: حبل ودادي
وفي العدد القادم إن شاء الله نتحدث عن العنصر الرابع من عناصر الدعوة الإسلامية وهو البصيرة في الدين.
(1) بتصرف من تفسير القيم لابن القيم ص344 في تفسير الآية: (ادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة) .
(2) النماذج منقولة من كتاب المؤلف (البلاغة العربية) علم البديع.
(3) دكتور مصري أستاذ في الأدب العربي والشريعة الإسلام
الحكمة كما قال العلماء: هي وضع الشيء في موضعه، وهي نعمة من نعم الله - سبحانه - من رُزقها فقد أوتي خيرًا كثيرًا كما قال - تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا) فلابد للعلماء والدعاة أن يتصفوا بالحكمة ويتعلموها لإيصال العلم والحق والإسلام إلى من يخاطبونه.
ومتى عدمت الحكمة فات المقصود وحصل الخلل وكثر الجدل والمراء، وأعظم الحكمة في الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى: أن ينزل المدعو المنزلة اللائقة به، لقوله - صلى الله عليه وسلم: (أنزلوا الناس منازلهم) حديث حسن المتن رواه جماعة من الصحابة بأسانيد لا تخلوا من مقال، لكن بجموعها يرتفع الحديث، ومن هنا فإن الداعية إلى الله - سبحانه وتعالى - والعالم المعلم للناس الخير عليه أن يدرك من خلال قواعد الشرع تقسيم المدعوين إلى ثلاث أقسام يجب معرفتها:
القسم الأول:
جاهل بالحكم غير مدرك ولا معاند وهذا القسم هو الذي يحتاج إلى رفق ورحمة وإيضاح للحق معاملة له بالحال التي تناسبه.
القسم الثاني:
عالم بالحكم ولكن عنده شيء من التفريط والإهمال والغفلة وهذا القسم نوعان:
1)نوع يأتي بعد ارتكاب المخالفة وقد صحى ضميره وانتبه قلبه وثاب رشده يريد معرفة ما يلزمه ويبحث عن طريق الخلاص من ذنبه فهذا النوع يحتاج لطريقة خاصة للتعامل معه وتشجيعه وهدايته والرفق به وفتح آمال المستقبل أمامه وتثبيته على الاستقامة حتى يشعر بحلاوة السهولة واليسر فيستمر في إحياء قلبه وإزالة أثار الرجس، والمخالفات فلابد من استعمال الحكمة معه بما تقتضيه حاله.
2)النوع الثاني المستمر في تفريطه وإهماله وغفلته ومخالفته وهذا يحتاج لوصفة خاصة لأنه مازال مريضًا، وربما وقع في أمراض أخرى فالحكمة معه معرفة الأمراض التي تلبس بها وإدراك الأغراض التي تنذر بوقوعه في أمراض أخرى واستعمال الحكمة معه لمعالجته بحسب الحال التي هو فيها.
القسم الثالث: