والله أسأل أن يرد المسلمين حكامًا ومحكومين إلى دينه ردًا جميلًا، وأن يجعل ولاية المسلمين فيمن خافه واتقاه واتبع رضاه، وأن يهيئ للأمة الإسلامية في كل زمان ومكان أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وأن يوفقهم أن يغيروا ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم، وأن ينصروا دينه لينصرهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وصلى الله وسلم على من خافه واتقاه واتبع رضاه محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
... عبد العزيز الجليل
بعد أن تبين لنا خطورة لبس الحق بالباطل من خلال الصور التي أوردناها في السابق، وما ينتج عنها من الضلال والانحراف الذي يورث العواقب الوخيمة في الدنيا والآخرة، بعد ذلك: يحق لنا ـ بل يجب علينا ـ أن نسأل: كيف النجاة من ذلك الخطر؟ وما هي الأسباب الواقية منه؟ وللإجابة على ذلك: نستعرض أسباب التباس الحق بالباطل؛ فمنها ينطلق العلاج، وبضدها تتميز الأشياء.
فقد مر بنا أن تلك الأسباب لا تخرج عن ثلاثة أمور:
1-شبهة تسببت في أخذ الباطل على أنه الحق، وأصل هذا: الجهل.
2-شهوة تسببت في أخذ الباطل وترك الحق عن شهوة وضعف واعتراف بالخطأ.
3-شهوة وشبهة نتج عنهما أخذ الباطل وإظهاره في صورة حق عن هوى ومغالطة استنادًا إلى شبهة يعلم صاحبها أنها لا تصلح للاستدلال.
وبعد هذه المقدمة التي لابد منها بين يدي الأسباب الواقية من اللبس والتلبيس.
يمكن تفصيل وبيان الأسباب الواقية من لبس الحق بالباطل فيما يلي:
1-علم وبصيرة بدين الله (عز وجل) وشرعه، وعلم وبصيرة بما يضاد دين الله (سبحانه) وشرعه؛ فإذا تحقق هذا الأمر: فإن الاستبانة لسبيل المؤمنين وسبيل المجرمين قد تحققت، وبهذا: فلا مجال للشبهة هنا أبدًا؛ لانتفاء الجهل الذي منه تنتج الشبهات المؤدية إلى اللبس والتلبيس، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) : فتنة الشبهات تُدفع باليقين، وفتنة الشهوات تُدفعُ بالصبر، ولذلك جعل (سبحانه) إمامة الدّين مَنوطةً بهذين الأمرين، فقال: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) ) [ السجدة: 24] ، فدلّ على أنه بالصبر واليقين تُنالُ الإمامة في الدين، وجمع بينهما أيضًا في قوله: (( إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ) [العصر: 3] ، فتواصوا بالحق الذي يَدْفَعُ الشبهات، وبالصبر الذي يَكُفّ عن الشهوات (1) .
2-الصبر وتقوى الله (عز وجل) :
فبالصبر وتقوى الله (سبحانه) تدفع الشهوة وينتصر الإنسان على هواه؛ لأنه قد يحصل للإنسان البصيرة والعلم بدين الله (عز وجل) ، ويتبين له الحق من الباطل، ولكن إذا لم يكن لديه الصبر عن شهوات النفس، والتقوى التي تحجزه عن مخالفة الصواب: فإنه يضعف ويقع في المخالفة مع علمه بذلك، أما إذا اجتمع العلم والبصيرة مع التقوى والديانة فإنه إذا بان الحق ولاح: لم يكن أمام من هذه صفته إلا الإذعان والتسليم والانقياد، وذلك لانتفاء الشبهة والشهوة في حقه، وإلى هذا أشار ابن القيم في النقل السابق بقوله: إن فتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر ولكن إذا ضعف الصبر والتقوى، ووجدت الغفلة عن الآخرة، وتنوسِيَ الوقوف بين يدي الله (عز وجل) ، وصاحب ذلك شيطان يزين، ودنيا تتعرض بفتنها: فالغالب عدم السلامة. ولكن المخالف للحق هنا: إما أن يكون لديه بقية تقوى وخوف من الله (عز وجل) فيعترف بذنبه، ويستغفر منه ويتوب، أو يكون (عياذًا بالله) قد رقّ دينه وسيطر عليه هواه فأخذ يلتمس مبررًا لباطله، ويبحث هنا وهناك عن شبهة يظهر بها باطله ومخالفته في قالب الحق والموافقة لدين الله، وهذا هو الخداع والتلبيس، ولا علاج له إلا بتقوى الله (سبحانه) ، واليقين بالرجوع إليه.
نعم.. إنه لا يمنع من الوقوع في الباطل بعد العلم والبصيرة، ولا يمنع من تلبيسه على الناس إلا الإيمان باليوم الآخر إيمانًا جازمًا ويقينًا صادقًا، وإن لم يتذكر العبد هذا اليوم ويحسب له حسابه: فلن يفيده في ذلك العلم والبصيرة؛ فكم من عالم بالحق تنكب عنه وخالفه، أما إذا انضم إلى العلم والبصيرة: الصبر والتقوى والخوف من الحساب يوم القيامة، فإن الشهوة ستنقمع وإن الهوى سيُغلب، وعندها: يختفي اللبس والتلبيس والخداع والمغالطة في دين الله (عز وجل) ؛ يقول الإمام ابن القيم (رحمه الله) ـ في معرض رده على المحتالين على شرع الله بالحيل الباطلة ـ: فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكَاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال. (2) .