(قلت: كل لباس أوجد في المرء خيلاء وفخرًا فتركه متعين ولو كان من غير ذهب ولا حرير، فإنا نرى الشاب يلبس الفرجية الصوف بفرو من أثمان أربع مئة درهم ونحوها، والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر، فإن نصحته ولمته برفق كابر، وقال: ما فيّ خيلاء ولا فخر؛ وهذا السيد ابن عمر يخاف ذلك على نفسه، وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية تحت كعبيه، وقيل له: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار"، يقول: إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء؛ فتراه يكابر، ويبرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام، فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص بقول الصديق: إنه يا رسول الله يسترخي إزاري؛ فقال:"لستَ يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء"، فقلنا: أبوبكر رضي الله عنه لم يكن يشد إزاره مسدولًا على كعبيه أولًا، بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي، وقد قال عليه السلام:"أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، ولا جناح عليه فيما بين ذلك والكعبين"، ومثل هذا في النهي لمن فصل سراويل مغطيًا لكعابه، ومنه طول الأكمام زائدًا، وتطويل العذبة، وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس، وقد يُعذر الواحد منهم بالجهل، والعالم لا عذر له في تركه الإنكار على الجهلة، فإن خُلع على رئيس خلعة سِيَراء من ذهب وحرير وقندس، يحرمه ما ورد في النهي عن جلود السباع ولبسها، الشخص يسحبها ويختال فيها، ويخطر بيده ويغضب ممن لا يهنيه بهذه المحرمات، ولا سيما إن كانت خلعة وزارة وظلم ونظر مَكَس، أوولاية شرطة، فليتهيأ للمقت وللعزل والإهانة والضرب، وفي الآخرة أشد عذابًا وتنكيلًا، فرضي الله عن ابن عمر وأبيه، وأين مثلُ ابن عمر في دينه، وورعه، وعلمه، وتألهه، وخوفه، من رجل تُعرض عليه الخلافة فيأباها، والقضاءُ من مثل عثمان فيرده، ونيابة الشام لعليّ فيهرب منه؟ فالله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب) .
واللهَ أسأل أن يؤلف بين قلوب المسلمين ويهديهم سبل السلام، وأن يوفقنا وإياهم إلى التمسك بسنة خير الأنام صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه الكرام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من القرآن
من السنة
إجماع الصحابة
الآثار عن الصحابة
الآثار عن التابعين وتابعيهم
أولًا: في الدنيا
ثانيًا: بعد الممات
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد..
فالصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، وهي آخر عُرى الإسلام نقضًا، وأول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلاته فقد فاز ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، كما أخبر الصادق المصدوق.
بعد أن أجمع أهل العلم على كفر جاحد وجوب الصلاة، وأجمعت العامة منهم على قتل تاركها المقرِّ بوجوبها، اختلفوا هل يُقتل كفرًا أم حدًا على قولين، أرجحهما أنه يقتل كفرًا، وذلك للأدلة الآتية:
من القرآن
قوله تعالى على لسان الكافرين، وقد قيل لهم:"ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين"
وقوله تعالى:"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا"، والغي وادٍ في جهنم.
وقوله:"فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين"، فقد نفى الله عن تاركي الصلاة الأخوة الإيمانية.
وقوله:"يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون. خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون"، فيسجد المصلون لله في الدنيا، ويُجعل ظهر تارك الصلاة والمنافق المرائي بصلاته طبقة واحدة، فلا يتمكن من السجود.
من السنة
ما صح عن جابر عند مسلم يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:"بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة".
وعن بريدة رضي الله عنه عند أهل السنن:"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".
إجماع الصحابة
قال عبد الله بن شقيق وهو من كبار التابعين:"لم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ـ ورضي الله عنهم ـ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة".
الآثار عن الصحابة
قال عليّ رضي الله عنه:"من ترك صلاة واحدة متعمدًا فقد برئ من الله وبرئ الله منه".
وقال ابن مسعود رضي الله عنه:"من ترك الصلاة فلا دين له".
وقيل لابن مسعود:"إن الله تعالى يكثر من ذكر الصلاة في القرآن:"الذين هم على صلاتهم دائمون"، و"الذين هم على صلاتهم يحافظون"، و"ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون"؛ قال: ذلك على مواقيتها؛ قالوا: ما كنا نرى يا أبا عبد الرحمن إلا على تركها؟ قال: تركها كفر".
وقال عمر وهو مطعون:"لا حظ في الإسلام لمن أضاع الصلاة".