فهرس الكتاب

الصفحة 1352 من 1363

وأعجب من هؤلاء أولئك الذين يكررون العمرة المكية مرات عديدة، وقد تنازع العلماء في صحتها، ويَدَعُون الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، مع العلم أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يعتمر قط في رمضان، مع ما ورد عنه من الاعتمار فيه من فضل وثواب، على أنه لم يترك الاعتكاف قط منذ أن شرعه وإلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى.

فليت شعري لِمَ يحرص بعض المسلمين، هدانا الله وإياهم، على المحدثات، ويفرطون ويتهاونون في السنن المؤكدات، هذا على الرغم من التحذير الشديد والوعيد الأكيد في النهي عن الابتداع في الدين، نحو قوله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"الحديث، وقوله:"وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة"الحديث.

ولله در الإمام مالك، فقد كان كثيرًا ما كان ينشد:

وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع

فاعلم أخي الحبيب أن الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الاتباع، وأن عملًا قليلًا في سنة خير من عمل كثير في بدعة، وأن ما لم يكن في ذاك اليوم دينًا فلن يكون اليوم دينًا، وأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى، وجنبنا الزلل، والابتداع، والردى، وصلى الله وسلم وبارك على إمام الرحمة والهدى.

الحمد لله الذي فرض علينا الصيام، وسن لنا القيام، وجعل ذلك كفارة لما تقدم من الذنوب والآثام، فقال صلى الله عليه وسلم:"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وصلى الله وسلم وبارك على خير من صلى وقام، محمد بن عبد الله، خيرته من الملائكة والإنس والجان.

اعلم أخي الكريم الموفق إلى الخيرات أن أهون الصيام ترك الطعام والشراب، وهو صوم العوام، إذ الصوم أنواع ودرجات، هي:

1.صيام العوام، وهو الصوم عن الأكل، والشرب، والجماع، مع الانغماس فيما سوى ذلك من المحرمات.

2.صيام خواص العوام، وهو هذا مع اجتناب المحرمات من الأقوال والأفعال.

3.صيام الخواص، وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته.

4.وصيام خواص الخواص، وهو الصوم عن غير الله، فلا فطر لهم إلا يوم القيامة.

ولهذا قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، الناصح الأمين:"مَنْ لَمْ يَدَع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يَدَعَ طعامه وشرابه".

وقال:"كم من صائم ليس له حظ من صومه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له حظ من قيامه إلا السهر والتعب"أوكما قال.

ولهذا شبَّه الرسول صلى الله عليه وسلم الصوم بالجُنَّة، فإن الصوم الحقيقي يمنع من قبيح الأقوال والأفعال، كما تمنع الجنة المقاتل من سهام الأعداء، فقال:"الصيام جُنَّة، فلا يرفث ولا يفسق، وإن امرؤ قاتله أوشاتمه فليقل إني صائم مرتين"الحديث، وقال جابر رضي الله عنه:"إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".

ولله در القائل:

إذا لم يكن في السمع مني تصاون وفي بصري غضٌ وفي منطقي صمتُ

حظي إذًا من صومي الجوع والظمأ فإن قلتُ إني صمتُ يومي فما صمتُ

خرج الإمام أحمد في مسنده: أن امرأتين صامتا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكادتا أن تموتا من العطش، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض، ثم ذكرتا له، فدعاهما فأمرهما أن يتقيئا، فقاءتا ملء قدح قيحًا، ودمًا صديدًا، ولحمًا عبيطًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا يأكلان لحوم الناس"الحديث، وهذا بيان من الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:"ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه".

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (ولهذا المعنى والله أعلم ورد بعد ذكر تحريم الطعام والشراب على الصائم بالنهار ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل، فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار رمضان فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل، فإنه محرم بكل حال، لا يباح في وقت من الأوقات) .

اعلم أخي الكريم أن من تقرب إلى الله بترك المباحات -في غير رمضان- وانغمس فيما حرم الله عليه في طول الأعوام، نحو الكذب، والغيبة، والنميمة، وظلم الناس، مثله كمثل من ترك الفرائض وتقرب إلى الله بالنوافل، فإن تقربه هذا مردود عليه، وكذلك حال من صام عن المباحات واقترف المحرمات في شهر رمضان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت