وَكَمَا قَالَ: { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } . وَكَمَا قَالَ: { وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } .
نماذج لمن أعلن توبته، وأظهر رجعته عن بدعته أمام الناس، وأشهد على ذلك
أبو الحسن الأشعري
أبو الفداء علي بن عقيل البغدادي
عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود
عبد الله بن الحسن العنبري
الابتداع في الدين شره جسيم، وخطره عظيم، وضرره بليغ، وآثاره متعدية، ولهذا فإن البدعة أشأم من المعصية، حيث تصعب التوبة منها والإقلاع عنها في الدنيا، ويكثر وزرها ويثقل حملها في الآخرة، ولهذا جاء في الأثر:"ويل لمن مات وبقيت بدعته بعده، وطوبى لمن مات وماتت بدعته بعده".
من أجل ذلك فقد زيد في شروط توبة المبتدع شرط رابع، وهو أن يظهر توبته، ويعلن رجعته، ويشهد على فعلته، أومقالته، أوعقيدته التي تاب منها، بينما يحرم فعل ذلك على من تاب من معصية، قال تعالى:"إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا".
ذكِر لأبي عبد الله أحمد بن حنبل رجل من أهل العلم كانت له زلة، وأنه تاب من زلته، فقال:"لا يقبل الله ذلك منه حتى يظهر التوبة والرجوع عن مقالته، وليعلن أنه قال: كيت وكيت، وأنه تاب إلى الله تعالى من مقالته ورجع عنها، وإذا ظهر ذلك منه حينئذ تقبل؛ ثم تلا أبو عبد الله:"إلا الذين تابوا.."الآية."
وكان العلماء في الماضي يهجرون من صدرت منه مقالة بدعية ويحملونه حملًا على التراجع منها، ولا يقبلون له توبة إلا إذا أعلنها وأشهد عليها، وهذا الصنيع من أوجب الواجبات على ولاة الأمر من العلماء والحكام، وفي تركهم لذلك خذلان وامتهان وانتقاص للدين وأهله.
نماذج لمن أعلن توبته، وأظهر رجعته عن بدعته أمام الناس، وأشهد على ذلك
1.أبو الحسن الأشعري
من أوضح النماذج وأجلاها ما فعله الإمامُ أبو الحسن الأشعري رحمه الله عندما عزم على التوبة من بدعة الاعتزال، وقد كان معتقدًا له لمدة أربعين سنة.
دخل المسجد وصعد المنبر وقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبوالحسن الأشعري، لقد تخليتُ عن عقيدة الاعتزال كما تخليت عن هذا الثوب؛ وخلع ثوبًا كان عليه.
وكذلك فعل ذلك عندما تخلى عن مذهب الأشاعرة الذي ينسب إليه، وقد تخلى عنه، وكتب كتبًا منها كتاب"الإبانة في أصول الديانة"، وبيَّن فيه أنه على عقيدة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وأنه تخلى عن العقيدة الأشعرية التي هي خليط بين السنة والكلام.
2.أبو الفداء علي بن عقيل البغدادي
قال ابن رجب الحنبلي: (.. أن أصحابنا ـ الحنابلة ـ كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده على ابن الوليد وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات رحمه الله.
ففي سنة إحدى وستين ـ بعد الأربعمائة ـ اطلعوا له على كتب فيها شيء من تعظيم المعتزلة، والترحم على الحلاج وغير ذلك، ووقف على ذلك الشريف أبو جعفر وغيره، فاشتد ذلك عليهم، وطلبوا أذاه فاختفى، ثم التجأ إلى دار السلطان، ولم يزل أمره في تخبيط إلى سنة خمس وستين، فحضر في أولها إلى الديوان، ومعه جماعة من الأصحاب، فاصطلحوا، ولم يحضر الشريف أبو جعفر لأنه كان عاتبًا على ولاة الأمر بسبب إنكار منكر؛ فمضى ابن عقيل إلى بيت الشريف وصالحه، وكتب بخطه:
يقول علي بن عقيل بن محمد: إني أبرأ إلى الله تعالى من مذهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحُّم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم، وما كنتُ علقته ووجد بخطي من مذاهبهم وضلالتهم فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته، ولا تحل كتابته، ولا قراءته، ولا اعتقاده.
وإني علقت مسألة الليل في جملة ذلك، وإن قومًا قالوا: هو أجساد سود؛ وقلت: الصحيح ما سمعته من الشيخ أبو علي، وأنه قال: هو عدم ولا يسمى جسمًا ولا شيئًا أصلًا، واعتقدت أنا ذلك، وأنا تائب إلى الله تعالى منهم؛ واعتقدتُ في الحلاج أنه من أهل الدين والزهد والكرامات، ونصرتُ ذلك في جزء عملته، وأنا تائب إلى الله تعالى منه، و بإجماع علماء عصره، وأصابوا في ذلك وأخطأ هو، ومع ذلك فإني أستغفر الله تعالى وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة والمبتدعة وغير ذلك، والترحُّم عليهم، فإن ذلك كله حرام، ولا يحل لمسلم فعله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام".
وقد كان الشريف أبو جعفر ومن كان معه من الشيوخ والأتباع سادتي وإخواني ـ حرسهم الله تعالى ـ مصيبين في الإنكار عليّ، لما شاهدوه بخطي من الكتب التي أبرأ إلى الله تعالى منهم، وأتحقق أني كنت مخطئًا غير مصيب.