قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) [فصلت/33-36]
الدعوة إلى الله هي وظيفة الرسل، والأنبياء، وأتباعهم، والصالحين، ومن تشبَّه بهم، فالتشبه بالرجال فلاح ونجاح.
قال صلى الله عليه وسلم لعليّ عندما بعثه إلى اليمن داعيًا ومفقهًا لأهلها:"لئِن يهديَ الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمُر النعم".
لقد قصر الله الخيرية في هذه الأمة على المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فقال:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"، وأوجب على طائفة من هذه الأمة التفرغ للدعوة:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"، وقال:"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".
والدعوة إلى الله واجبة حسب الطاقة في كل الظروف والملابسات، فيوسف عليه السلام عندما ألقي في السجن ظلمًا وعدوانًا باشر وظيفته رغم مشاق الحبس وظروفه:"يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون".
وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عندما أودع سجن القلعة بدمشق، وعندما سجن كذلك ظلمًا وعدوانًا بالإسكندرية، لم يحل ذلك بينه وبين وظيفة الدعوة، فقد ظل يباشر الدعوة إلى الله وسط المسجونين، وقد استفادوا من وجوده الشيء الكثير، ولهذا عندما أدخل القلعة تلا قوله تعالى:"وضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب".
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد:
عباد الله إن مما خص الله به نبي هذه الأمة محمدًا صلى الله عليه وسلم وخص به رسالتَه والنورَ الذي جاء به أنها رسالةٌ ودعوةٌ عامة للثقلين الجن والإنس ، والعربِ والعجم ،والأسودِ والأبيض ، والذكرِ والأنثى ، والسادةِ والعبيد ،كما قال جل وعلا: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا) ، وقال سبحانه: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا) ، (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (بعثت إلى الناس كافة وكانت الأنبياء تبعث إلى أقوامهم خاصة ) .
أيها المسلمون: وبعد أن تقرر ما سبق فإن هذه الأمة مأمورة بما أمر بها نبيه فهي مأمورة بتبليغ الدين إلى الناس كافة ،كما قال سبحانه (، وقال سبحانه(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) آل عمران [104] ،
هي المكلفة بنشر هذا الدين الذي فيه سعادة البشرية ولا نجاة ولا مخلص للناس إلا بالدخول في هذا الدين والانضواء تحت لواءه والاهتداء بتعاليمه وتشريعاته ، إننا لانشك لحظةً واحدة أن دين الإسلام هو الدين الذي به تحل كل المشاكل العالمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية ، وسوف نقف مع هذه العبادة العظيمة والمهمة الجسيمة ، والوظيفة الشريفة وقفات عدة:
الوقفة الأولى: الدعوة إلى الله وظيفةٌ من أشرف الوظائف ،ومهمةٌ من أعظم المهمات.
كيف لا ؟وهي وظيفة الأنبياء والرسل ومهمة كل من أراد الله به خيرًا ورفعةً وسعادةً في الدنيا والآخرة ، ولا أعظم وصفًا ولاأصدق قولًا من قول ربنا جل وعلا حيث يقول: ( ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين) فصلت [33] قال الحسن البصري عند هذه الآية:"هو المؤمن أجاب الله في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحًا في إجابته ، فهذا حبيب الله هذا ولي الله"أ.هـ، فمقام الدعوة من أشرف المقامات ، فياخسارة من قامت حياته ، وذهبت أيامه ولم يكن له نصيب من هذه العبادة العظيمة ، فيا عبدالله تدارك أيامك واضرب بسهم في هذا الميدان المبارك بعلمك أو بجهدك أو بمالك أو برأيك على قدر استطاعتك حتى تنال هذا الشرف العظيم .
الوقفة الثانية: العلم وأثره في الدعوة