فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 1363

من النماذج النادرة، والصور الفريدة في المشاورة والتجرد فيها ما فعله أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وذلك عندما تقدم الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم إلى المسيِّب بن نجية، كل يريد خطبة ابنته، فقال لهم: مكانكم حتى أعود؛ فأتى عليًا، فقال: أتيتُ أمير المؤمنين لأشاوره، فقال علي: أما الحسين فمطلاق، ولا تخطئ النساء عنده، وأما الحسن فمعلق، زوِّج ابن جعفر؛ فزوجه فلامه الحسنان، فقال: أشار عليَّ أمير المؤمنين؛ فأتياه، فقالا: وضعت منا! قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"المستشار مؤتمن".

المسلمون صنفان لا ثالث لهما: أهل السنة، وأهل القبلة

من العادات السيئة، والصفات الرذيلة المذمومة التي درج عليها بعض الشباب في الآونة الأخيرة وابتلوا بها الاشتغال بتصنيف العلماء، والدعاة، وطلاب العلم، والبحث والتنقيب عن تصوراتهم، واتجاهاتهم، وانتماءاتهم، ثم بعد ذلك تحديد المواقف منهم، وتتبع عثراتهم وزلاتهم، وتجريحهم، بل وتشريحهم، ثم نشر ذلك على الملأ بغرض التشهير، وإشانة السمعة، والتحذير منهم.

ومما يحزُّ في النفس أن القائمين بذلك مجموعة من الشباب المنتسبين إلى السنة والسلفية، وعلى من؟ على مجموعة من إخوانهم المنتسبين كذلك إلى السنة والسلفية، على من هم أكبر منهم سنًا، وأكثر منهم علمًا وورعًا، من العلماء، والمشايخ، والدعاة الفضلاء، غير مكتفين بما يلاقي هؤلاء من أعداء الملة والدين، مما يجعل ظلم هؤلاء على إخوانهم أشد مرارة من وقع الحسام المهند.

وبادئ ذي بدء يجب أن أؤكد على أمور، منها:

1.ليس هناك أحد معصوم سوى الرسل والأنبياء، والنصيحة مطلوبة ومرغوب فيها إذا التزم الناصح بالآداب الشرعية، وتخلق بالأخلاق الإسلامية، واتبع الطرق السوية.

2.أن المسلمين عند أهل السنة مصنفون إلى قسمين كبيرين لا ثالث لهما:

أ. أهل السنة: ويشمل هذا الصنف كل من اعتصم بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أجمعت عليه الأمة، وكان على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعتقاد، والتصور، والعبادة، والسلوك، وقد سئل مالك عن أهل السنة، فقال: كل من سوى الخوارج، والقدرية، والرافضة؛ أوكما قال.

قال الشاطبي: (وقال رجل لأبي بكر بن عيَّاش: يا أبا بكر، من السُّني؟ قال: الذي إذا ذكرت الأهواء لم يغضب لشيء منها) .

ب. وأهل القبلة: وهم من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، وهو اسم شامل لمن عدى أهل السنة من أهل الأهواء، كالخوارج، والرافضة، والمعتزلة، والمرجئة، والقدرية، وغيرهم، ومن ثم فينبغي للسني أن تكون موالاته لأهل السنة أكبر من موالاته لغيرهم، لأنهم نقاوة المسلمين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

3.أن الإسلام نهى عن الخصومات والنزاعات في الدين.

4.من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وعدم اشتغاله بما لا مصلحة له فيه.

5.لا يعني الانتساب إلى أهل السنة انتفاء الفوارق بينهم أوتحريم الانضواء إلى جماعة معينة أو حلف من باب التعاون على البر والتقوى، طالما أنهم ملتزمون بما كان عليه السلف الصالح، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جُدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعي إليه في الإسلام لأجبتُ".

وبعد..

ليت هذا التصنيف قائم على أسس بينة، وقواعد واضحة، بل في كثير من الأحيان يحكمه الهوى، وتمليه النظرة الحزبية الضيقة:"من ليس معنا فهو ضدنا"، ولا أدل على ذلك من تلك التصنيفات التي ابتدعوها وصدقوها، نحو تكفيري، سَرُوري، قطبي، وغيرها، التي لا تقل خطرًا وضررًا من تصنيف الناس إلى وهابي، أوخامسي، وغيرهما، إذ الهدف من إطلاق هذه المصطلحات التحذير من أهلها، وازدراء من ينتسبون إليها، وإشانة سمعتهم، بحجة أن جميع هذه المسميات حادثة ومخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، بينما إذا دققت النظر تجد أن جلَّ من يُنسبون إلى هذه الأسماء ويلقبون بهذه الألقاب على منهج أهل السنة والجماعة في الجملة، مع تفاوت بينهم يمكن أن يتدارك، ونقص يمكن أن يتمم، هذا كله إذا افترضنا سلامة العقيدة والتصور، التي هي الأساس والمعيار، وما سواها تبع لها، نحو الوسائل والمناهج وطرق العمل، حيث يمكن للناس أن يأخذوا ويردوا فيها، ويقبلوا ويرفضوا منها، فمصطلح أهل السنة شمل جميع أتباع المذاهب السنية الأربعة وغيرهم مع اختلافات طفيفة بينهم، فهناك مدرسة فقهاء الحديث، والمدرسة التي غلب عليها القياس، وهناك أهل الظاهر الذين خالفوا أهل السنة في مصدر من مصادر التشريع وهو القياس حيث لم يعتدوا به، فما كان من أهل العلم إلا أن خطؤوهم في ذلك وبكتوا عليهم، ولكنهم لم يخرجوهم من جملة أهل السنة، إذ لا يمكن أن يخرج من أهل السنة أمثال داود بن علي الظاهري، ومحمد بن حزم، وهما هما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت