قال المناوي معلقًا على هذا الحديث: (أي أمين على ما استشير فيه، فمن أفضى إلى أخيه بسره، وأمنه على نفسه، فقد جعله بمحلها، فيجب عليه أن لا يشير عليه إلا بما يراه صوابًا، فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن على إيداع ماله إلا ثقة، والسر قد يكون في إذاعته تلف النفس، أولى بان لا يجعل إلا عند موثوق به، وفيه حث على ما يحصل به معظم الدين، وهو النصح لله ورسوله وعامة المسلمين، وبه يحصل التحابب والائتلاف، وبضده يكون التباغض والاختلاف) .
ثم نقل عن أحد المشايخ في صفة المستشار ما يأتي:
فلذلك قالوا: يحتاج المشير والناصح إلى علم، وعقل، وفكر صحيح، ورؤية حسنة، واعتدال مزاج، وتؤدة، وتأن، فإن لم تجتمع هذه الخصال فخطأه أسرع من إصابته، فلا يشير ولا ينصح، قالوا: وما في مكارم الأخلاق أدق ولا أخفى ولا أعظم من النصيحة.
قلت: على المستشار إن لم يأنس في نفسه الكفاءة، أوخشي أن يخدع المستشير، أوكان جاهلًا بما استشير فيه، أن يعتذر عن ذلك، ويوجه الشخص إلى غيره، فهو ليس ملزمًا أن يشير في كل الأحوال، فقد جاء في إحدى روايات الحديث السابق:"المستشار مؤتمن إن شاء أشار، وإن شاء لم يشر".
وكما أن المستشار لابد أن يكون أمينًا حفيظًا، كذلك لابد أن يكون عالمًا متخصصًا، أوداريًا مجربًا.
(يحتاج الناصح والمشير إلى علم كبير كثير، فإنه يحتاج أولًا إلى علم الشريعة، وهو العلم العام المتضمن لأحوال الناس، وعلم الزمان، وعلم المكان، وعلم الترجيح، إذا تقابلت هذه الأمور، فيكون ما يصلح الزمان يفسد الحال، فيشير بأهمها، وإذا عرف من حال إنسان بالمخالفة، وإنه إذا أرشده إلى شيء فعل ضده، يشير عليه بما لا ينبغي ليفعل ما ينبغي، وهذا يسمى علم السياسة، فإنه يسوس بذلك النفوس الجموحة الشاردة عن طريق مصالحها) .
آثار في فضل المشورة ومن يشاور
ذكر ابن عبد البر رحمه الله عددًا من الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم في فضل المشورة، ومن يشاور، وهي:
"ما تشاور قوم إلا هداهم الله لأرشد أمورهم".
"لن يهلك قوم عن مشورة".
"من نزل به أمر فشاور فيه من هو دونه تواضعًا منه عُزِم له على الرشد".
"الحزم في مشاورة ذوي الرأي وطاعتهم".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"شاور في أمرك من يخاف الله عز وجل".
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"رأى الشيخ خير من مشهد الغلام".
وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه:"ما نزلت بي قط عظيمة فأبرمتها حتى أشاور عشرة من قريش مرتين، فإن أصبت كان الحظ لي دونهم، وإن أخطأت لم أرجع على نفسي بلائمة".
وقال الحسن البصري:"إن الله لم يأمر نبيه بمشاورة أصحابه حاجة منه إلى رأيهم، ولكنه أراد أن يعرفهم ما في المشورة من البركة".
وسئل الحسن البصري عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تستضيئوا بنار المشركين"، فقال:"أراد لا تستشيروا المشركين في أموركم ولا تأخذوا برأيهم".
وقيل: المشاورة حصن من الندامة، وأمن وسلامة.
الاستشارة من المواطن التي أبيحت فيها الغيبة، فإذا استشارتك امرأة مثلًا أورجل في خطبة فعليك أن تخبره بما تعلمه عن الخطاب، فعندما استشارت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبي الجهم ومعاوية وقد خطباها، بيَّن لها الصادق الأمين ما في كل منهما من العيوب، فقال لها:"أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن كاهله، ولكن انكحي أسامة بن زيد"، تقول: فتزوجته واغتبطت به.
فعلى المستشير أن لا يسفه ما أشير به عليه.
فعليك أخي الكريم أن لا تتحرج في ذلك، ولا تتردد أن تقول كل ما تعرفه عمن سئلت عنهم، واستشرت فيهم، وعليك كذلك أن لا تداهن المستشير وتجامله، وعليك تبيين الحق له، وأن ترده إلى صوابه ورشده.
قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله لبعض ولده:"ولا تشر على مستبد، ولا على عدو، ولا على متلون، ولا على لجوج، ولا تكونن أول مستشار، ولا أول مشير، وإياك والرأي الفطير، وخف الله في المستشير، فإن التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منك خيانة".
ما يتعين على المستشار
يتعين على المستشار الآتي:
1.الاجتهاد في النصح.
2.أن لا يكتمه شيئًا.
3.أن لا يبوح بسره للآخرين.
ويتعين ذلك على كل مسلم استشير في أمر من الأمور الخاصة أوالعامة، سيما على:
1.وزراء ومستشاري ولاة الأمر.
2.بيوت الخبرة، ومكاتب دراسات الجدوى والاستشارات.
3.مجالس الإدارات.
تجرد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه