الشيخ: اختلف العلماء رحمهم الله في جواز مس المصحف للمحدث فمن أهل العلم من يقول إن مس المصحف للمحدث جائز وذلك لعدم الدليل الصحيح الصريح في منع المحدث من مس المصحف والأصل براءة الذمة وعدم الالزام ومن العلماء من قال إنه لا يحل مس المصحف إلا على طهارة لأن في حديث عمرو بن حزم الذي كتبه النبي صلي الله عليه وسلم (ألا يمس القرآن إلا طاهر) والطاهر هنا هو الطاهر من الحدث لقول الله تعالى حين ذكر آية الوضوء والغسل والتيمم قال (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) ولقوله تعالى في الحيض (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه) وهذا القول أصح من القول الأول لأن كلمة طاهر وإن كانت مشتركة بين الطهارة المعنوية والطهارة الحسية لكن المعهود من خطاب الشارع أن لا يعبر بكلمة طاهر لمن كان طاهرًا طهارة معنوية والطاهر طهارة معنوية هو المسلم والنجس هو المشرك قال الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) وقال النبي صلي الله عليه وسلم (إن المؤمن لا ينجس) وأذا كان لم يعهد التعبير بالطاهر عن المؤمن فإنه يحمل على المعنى الثاني أو يترجح حمله على المعنى الثاني وهو الطاهر من الحدث ولكن يبقى النظر هل يشمل الحكم الصغار الذين يتعلمون القرآن فتلزمهم بالوضوء أو لا يشملهم لأنهم غير مكلفين في هذا خلاف بين العلماء فمنهم من قال إن الصغير لا يلزمه أن يتوضأ لمس المصحف لأنه غير مكلف ومنهم من قال إنه يلزمه فيلزم بأن يتوضأ وهذا لا شك أنه أحوط وفيه من المصلحة أننا نغرس في قلوبهم إكرام كلام الله عز وجل وأنه أهل لأن يتطهر الإنسان لمسه فإذا كان في إلزامهم بذلك صعوبة فإنه من الممكن أن يمس المصحف من وراء حائل فإن مس المصحف من وراء حائل جائز للمحدث وغير المحدث نعم.
دراسة فقهية مقارنة
د. عمر بن محمد السبيل
أستاذ مساعد - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة أم القرى
ملخص البحث
يشتمل البحث على مقدمة ومبحثين ، وخاتمة .
فالمقدمة في بيان سبب البحث ، ومنهجه ، أما المبحثان ؛ فالأول: في حكم الطهارة للبالغ، وقد بينت فيه إجماع العلماء على تحريم مس المصحف لمن كان عليه حدث أكبر، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية ، أما إن كان عليه حدث أصغر ، فقد اختلف العلماء في حكم مسه للمصحف، على قولين:
الأول: أنه لا يجوز له مس القرآن . وبه قال جمع من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف ، وقال به كثير من التابعين ، وهو مذهب الأئمة الأربعة .
الثاني: أنه يجوز له مس القرآن . وبه قال بعض التابعين وهو مذهب الظاهرية . وقد ظهر لي رجحان القول الأول: لقوة أدلته ورجحانها .
والمبحث الثاني: في حكم الطهارة للصغير . وقد بينت فيه أنه لا يجوز تمكين الصغير غير المميز من مس المصحف ، أما المميز فقد اختلف العلماء في حكم مسه للمصحف إذا كان محدثًا على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يجوز مسه للمصحف . وبه قال الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في الصحيح من مذاهبهم ، وبه قال الحنابلة في رواية .
والثاني: أنه يكره له مسه . كراهية تنزيه ، وهو قول للحنفية ، والمالكية .
الثالث: أنه يحرم عليه مسه . وهو قول للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.
وقد ظهر لي رجحان القول الأول ؛ لقوة أدلته ، ورجحانها .
وأما الخاتمة فقد اشتملت على أهم نتائج البحث .
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد: فإن العناية بكتاب الله الكريم ، وما يتعلق به من المعاني والأحكام من أفضل أنواع العلم الشرعي وأجله ، لشرف موضوعه ؛ لأنه يتعلق بأشرف كلام ، وأعظم كتاب ، ولذا رأيت أن أسهم بجهدي المتواضع في بيان حكم مسألة من المسائل المتعلقة به في هذا البحث الذي عنونت له ب (حكم الطهارة لمس القرآن الكريم) (1) مجليًا آراء العلماء في هذه المسألة ، على سبيل الإيضاح والتفصيل ، لأنني لم أقف على مؤلَّفٍ مستقل (2) عني ببيان أحكام هذه المسألة على التفصيل الذي ذكرته ، والنهج الذي سلكته ، وقد انتظم هذا البحث في مقدمة ومبحثين وخاتمة .
وقد سلكت في هذا البحث المسلك العلمي المتبع في بحث المسائل الشرعية بحثًا فقهيًا مقارنًا، بذكر آراء العلماء وأدلتهم، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، مع بيان الراجح من تلك الآراء ، مبينًا وجه الترجيح .
فأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وزلفى لديه إلى جنات النعيم ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
المبحث الأول: حكم الطهارة للبالغ
(1) الحواشي والتعليقات