( ) ... آثرت التعبير ب ( مس القرآن الكريم) على التعبير ب (مس المصحف) رغم أنه التعبير الغالب عند كثير من العلماء والمصنفين وذلك موافقة للأحاديث الكثيرة والتي ورد فيها النهي عن مس القرآن ، واتباعًا لاختيار بعض العلماء التعبير بهذا ، كابن نجيم الحنفي في البحر الرائق، 1/211 .
(2) ... لا في القديم ولا في الحديث،سوى رسالة ألفها الشيخ/محمد بن علي بن حسين المالكي المتوفى سنة (1368هـ) بعنوان: (إظهار الحق المبين بتأييد إجماع الأئمة الأربعة على تحريم مس وحمل القرآن الكريم لغير المتطهرين) .
أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمس المصحف وخالف في ذلك داود لظاهري (+(1) وتابعه على القول به أهل الظاهر (2) .
أما المحدث حدثًا أصغر؛ فقد اختلف العلماء في حكم مسه للمصحف على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أصغر أن يمس المصحف كله أو بعضه .
وبهذا قال من الصحابة: علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وسعد ابن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن زيد، وسلمان الفارسي، وغيرهم .
وقال به من التابعين: عطاء بن أبي رباح ، وابن شهاب الزهري ، والحسن البصري ، وطاووس بن كيسان ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، والنخعي (3) ، والفقهاء السبعة (4) .
(1) الإفصاح ، 1/76؛ المغني ، /147، رحمة الأمة،ص، 21؛ نيل الأوطار، 1/260، موسوعة الإجماع ، 2/878 .
(2) ... المحلى ، 1/77 .
(3) ... انظر: مصنف عبد الرزاق ، 1/341 ؛ الجامع لأحكام القرآن 17/626 ؛ المغني ، 1/147.
(4) ... السنن الكبرى للبيهقي ، 1/88 ، معرفة السنن والآثار للبيهقي ، 1/185 .
وقد ذكر الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين 1/23 الفقهاء السبعة وعدَّدَهم بقوله:(وكان المُفْتُون بالمدينة من التابعين: ابن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وخارجة بن زيد، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود ، وهؤلاء هم الفقهاء وقد نظمهم القائل فقال:
إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة
فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة)اهـ
وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية، 9/108أن أكثرهم توفي سنة 94هـ ولذا سميت تلك السنة ب (سنة الفقهاء) .
وهو قول المذاهب الأربعة: الحنفية (1) ، والمالكية (2) ، والشافعية (3) ، والحنابلة (4) .
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بالكتاب والسنة ، وإجماع الصحابة ودونك (5) أدلتهم بالتفصيل:
أولًا: الكتاب:
استدلوا من الكتاب بقول الله عز وجل ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ( [الواقعة77-80] .
وجه الدلالة:
(1) ... الهداية ، 1/31 ؛ مجمع الأنهر ، 1/25 ؛ البحر الرائق ، 1/211 .
(2) ... المعونة ، 1/160 ؛ عقد الجواهر ، 1/62 ، الخرشي على خليل ، 1/160 إلا أن المالكية ذهبوا إلى جواز مسه للمعلم والمتعلم إذا كان حدثه أصغر لمشقة الاستمرار على الطهارة ، وكذا المرأة الحائض يجوز لها المس ؛ لضرورة التعليم بخلاف الجنب لقدرته على إزالة المانع . انظر: الشرح الصغير ، 1/222 ، الشرح الكبير ، 1/126.
(3) ... المهذب ، 1/32 ؛ روضة الطالبين ، 1/190 ؛ مغني المحتاج ، 1/36 .
(4) 10) المقنع ، 1/56 ، منتهى الإرادات ، 1/27 ، الروض المربع ، 1/26 .
(5) 11) التعبير بلفظ (دونك) هو الصحيح لغة ؛ لأنه بمعنى (خذ) وهو الشائع عند العلماء قديمًا وحديثًا ومن المصنفين المكثرين من ذلك في مصنفاتهم العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه (أضواء البيان) .
أما ما عليه كثير من المعاصرين من التعبير بلفظ (إليك) فهو خطأ شائع ؛ لأن معنى (إليك) تنح وابتعد وهو غير مراد . فتنبه .
أن الله عز وجل أخبر أن هذا القرآن الكريم لا يمسه إلا المطهرون إجلالًا له وتعظيمًا ، وجاء الإخبار في الآية بصيغة الحصر فاقتضى ذلك حصر الجواز في المطهرين ، وعموم سلبه في غيرهم (1) ، والمراد بالمطهرين ؛ المطهرون من الأحداث والأنجاس من بني آدم. والآية وإن كان لفظها لفظ الخبر، إلا أنه خبر تضمن نهيًا (2) . فهو نظير قوله تعالى: ( لا تضار والدة بولدها ( [البقرة 233] فإنه خبر تضمن نهيًا ، فدل ذلك على اشتراط الطهارة لمس المصحف(3) .
ثانيًا: من السنة:
استدلوا من السنة بعدد من الأحاديث ، ورد فيها النهي عن مس المصحف لغير طاهر ، وأن المراد بالطاهر الطاهرُ من الحدث الأكبر والأصغر، ومن النجاسة الحسية والمعنوية (4) ، ومن هذه الأحاديث:
1 -عن حكيم بن حزام _رضي الله عنه- قال: (لما بعثني رسول الله ( إلى اليمن قال:(لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) .
رواه الحاكم في المستدرك (5) ، وقال: صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ، ورواه الدارقطني في سننه (6) ، والبيهقي في السنن الكبرى (7) .
(1) 12) انظر: الذخيرة للقرافي ، 1/238 .