فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 1363

فكم من حقوق ضائعة للرعية، ومظالم واقعة عليها؟! بدءًا بعدم تحكيم شرع الله فيهم، ومرورًا بعدم الحكم بالسوية، والعدل في القضية، والتفريط في حق الرعية، وانتهاء باللهو والانشغال عما فيه صلاح الدين والدنيا، وتضييع فريضتي الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أما المظالم التي تدفع الناس دفعًا إلى توجيه الدعاء إلى الله، والتي تفتح لها أبواب السماء، فلا تُحصى ولا تُعدّ، منها التعدي على المال العام، وفرض الباهظ من الضرائب والرسوم من غير مراعاة لحال الفقراء والضعفاء، والتقصير وعدم القيام بما يخفف ويرفع المعاناة عن الفقراء والمساكين خاصة في مجال التعليم والعلاج، وفي خلف الوعود، والتسويف في الفصل بين المتخاصمين، وحماية كثير من المتعدين على حقوق الضعفاء، ومن تفشي المحسوبية، والرِّشوة، وأكل المال بالباطل.

أين حكامنا من حرص عمر على العدل وخدمة الرعية:"لو أن بغلة بشاطئ الفرات عثرت لخشيتُ أن أسال عنها: لِمَ لم أعبِّد لها الطريق؟"، ومن قول سيد البرية:"لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها"، ومن قول أبي بكر في أول الردة:"أينتقص الدينُ وأنا حي؟"

فكم من حد معطَّل، وبدعة ممكِّن لها، وفساد مقنَّن، وغني مترف، وفقير معدم، وحق مضيَّع، ومحبوس مهمَل، وأمين مخوَّن، وخائن مؤتمن، ومستعاذٍ بهم يسلم، وكافر وفاسق مكرَّم معظَّم، وولي لله مهان مُحْرَم.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال عن الولاية:"إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها"، ونصح حين صرفها عن عمه العباس وصاحبه أبي ذر رضي الله عنهما، وحين قال:"إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

والله الموعد، وسيعلم الذين ظلموا أي مُنقلب ينقلبون.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله الصادق الوعد المبين.

وبعد..

التفرُّق، والتشتت، والتشرذم الذي أصاب الأمة في القرن الهجري المنصرم وبداية القرن الحالي، والذي أدى إلى ضعفها، وذلِّها، وهوانها، وتكالب الأمم عليها، له عدة أسباب رئيسة، هي:

[1] الفرقة: وقد دلَّ عليها قوله تعالى:"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات".

[2] اتباع المتشابه من القرآن والسنة والأحكام: وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يتذكر إلا أولوا الألباب"."

[3] اتباع الهوى: ودلَّ عليه قوله تعالى:"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم"، وقوله:"ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله".

[4] حكام المسلمين: وبادئ ذي بدء لا بد من التنبيه على أن جميع شرائح المجتمع مسؤولة عن ذلك ـ من حكام وعلماء، ودعاة وعامة، مع تفاوت مسؤولياتهم واختلاف تقصيرهم ـ مسؤولية تامة، ولها دور في الذي حدث ويحدث الآن، ولكن دور الحكام أكبر، ومسؤوليتهم أخطر وأعظم، ولهذا سأقصر حديثي على حكام المسلمين ومسؤوليتهم فيما أصاب الأمة، وأحب أن أذكر أن حديثي هذا شامل لكل حكام المسلمين ممن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وليس خاصة لطائفة منهم دون غيرهم، لأن الدين النصيحة كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:"لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم"، وسأقصر حديثي كذلك في جانب واحد فقط، وهو جانب اختلاف المواقف وتباين الرؤى في القضية الواحدة المعينة من وجه نظر الدين، لما لهذه القضية من أثر بليغ في توسيع دائرة الخلاف، وزعزعة ثقة العامة في الخاصة، ولله درُّ عمر عندما غضب لاختلاف أُبيٍّ وزيد في مسألة فرعية، وقال:"من أين يصدر الناس؟".

ولهذا أسباب عديدة فيما يتعلق بالحكام، ألخصها في الآتي:

[1] استجابة حكام المسلمين للسياسة التي انتهجها أعداء الإسلام بعد القضاء على الدولة العثمانية وتقسيمها إلى دويلات وأسلاب صغيرة، وهي سياسة (فرِّق تَسُدْ) ، فقد عملوا على زعزعة الثقة بين الحكام المسلمين، وقد أججوا نار ذلك بالحدود السياسية الوهمية التي بين الدول.

[2] طلب العزة والوحدة في غير الإسلام: في النزعات الوطنية، والقومية، والعرقية، كالطورانية، والعربية، والهندية، ومن طلب العزة في غير الإسلام أذله الله.

[3] حرص الحكام على كراسيهم وأنظمتهم أكثر من حرصهم على الإسلام، بحيث إذا تعارضت المصلحتان ضربوا بالإسلام عرض الحائط ولم يبالوا.

[4] اعتماد جل الحكام على أحزاب علمانية.

[5] تخويف الكفار للحكام من الجماعات والأحزاب الإسلامية، وتحذيرهم لهم منهم؛ مما جعل حاجزًا وهميًا منيعًا بين الحكام وبين هذه الجماعات.

[6] موالاة كثير من الحكام للكفار، إن رغبة أو رهبة، وثقتهم بهم، وقيام تحالفات بينهم وبين الكفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت