فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 1363

وأخيرًا تذكروا أحبتي الكرام أن الله أعزنا بالإسلام، وشرفنا بالانتساب إلى ملة خير الأنام، محمد بن عبد الله عليه أفضل وأزكى الصلاة والسلام، وجعل لساننا لسان ولد عدنان، فمن طلب العزة والرفعة والمنعة في غير ذلك أذله الله.

والله أسأل أن يعين ويوفق المسؤولين، والقائمين، والمهتمين بشأن تعليم اللغة العربية وعلوم الدين لأبناء المسلمين، وأن يتقبل منهم، ويبارك في مجهوداتهم، وييسر للاحقين التأسي بالسالفين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

نوعا الاختلاف

أسباب التنافر والانقسام في صفوف العاملين في مجال الدعوة من أهل السنة

أولًا: التقصير في الجانب العقدي والاشتغال بالجانب السياسي

ثانيًا: وصم البعض بأنهم تكفيريون، أوسَرُورِيُّون (!!)

ثالثًا: الاختلاف في وسائل العمل

رابعًا: الانفصال والخروج عن جماعة من الجماعات

خامسًا: سوء الظن وانعدام الثقة

سادسًا: عدم التثبت في المنقول

سابعًا: الدخول في العمل العام

ثامنًا: الاختلاف في الحكم على بعض النوازل

تاسعًا: الإعلان بالنصيحة

عاشرًا: ضعف التزكية وقلة الورع

خاتمة

تمهيد

"الخلاف شر"، هذه الكلمة المضيئة، والحكمة البليغة، والمقولة الطيبة، التي ينبغي أن تكتب بماء الذهب، وأن تحفظ وتلقن ويعيها العلماء قبل العامة، والقادة قبل الأتباع، والدعاة قبل المدعوين، لحاجتهم إليها، عليهم أن يعضوا عليها بالنواجذ، وينقشوها في البواطن، ويحرصوا على تعليمها للأكابر والأصاغر، والأقارب والأباعد، والأصدقاء والأعداء.

هذه الكلمة الطيبة صدرت من عالم فقيه، وإمام نبيه، من عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد معلمي ومفقهي الكوفة في زمانه، وذلك عندما أتم الصلاة الرباعية بمنى مع الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وقيل له في ذلك: كيف تتم وقد صليتَها ركعتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟ علل إتمامه بأن"الخلاف شر"، إي وربي الخلاف شر مستطير، وداء خطير، وعيب كبير.

أتم عثمان رضي الله عنه الصلاة الرباعية بمنى متأولًا لذلك، واعتُذِرَ عنه بأن الموسم يحضره عدد من حديثي العهد بالإسلام من الأعراب، فخشي أن ينطبع في أذهانهم أن الصلاة مثنى مثنى، لعدم معرفتهم بالرخص الشرعية، وقيل فعل ذلك لأنه تزوج بمكة.

وأيًا كان سبب إتمام عثمان رضي الله عنه للصلاة الرباعية بمنى، فهو إمام مجتهد مأجور، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول المعصوم.

وشاهدنا إتمام ابن مسعود معه وهو إمام من أئمة الصحابة المقتدى بهم، وشيخ من شيوخهم، مع يقينه التام أن الحاج يقصر الرباعية، ويجمع بعرفة ومزدلفة ولو كان من أهل مكة أومنى، دفعًا لشر الشرين بخير الشرين.

هذه الكلمة ما من إمام ولا داعية إلا وهو يحفظها، ويرددها، ويستشهد بها، ويستعملها للإصلاح بين المتخاصمين، ولكن البعض هدانا الله وإياهم سبل السلام عندما يتعلق الأمر بهم يحيدون عنها، ومن قبل عن العديد من الآيات، والأحاديث، والآثار، والحِكَم التي تحذر من الاختلاف، وتنهى عن التدابر والتباغض، وتأمر بالائتلاف والاجتماع والتسامح، ونسي هؤلاء أوتناسوا أنهم يرتكبون بذلك إثمًا عظيمًا، ويقترفون ذنبًا كبيرًا، ويعيبون عيبًا مشينًا، لأنهم يأمرون الناس بما لا يأتونه، وينهونهم عما هم يقترفونه، وقد توعد الله هذا الصنف، ونهى عن هذا السلوك:"أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون"،"يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"، وقال عز وجل على لسان شعيب عليه السلام:"وما أريدُ أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه".

أصرح وأشد ما ورد في الوعيد عن ذلك ما صحَّ عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تك تأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنتُ آمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه".

ولله در القائل:

لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

واحذر أن يكون مثلك مثل:

كدودة الغزل ما تبنيه يهدمُها وغيرها بالذي تبنيه ينتفعُ

مخالفة الآمر الناهي من العلماء والدعاة لما يفعل ويذر قبيحة من القبائح، وسوءة من السوءات في أي أمر من الأمور، ولكن قبحها يشتد، وخطرها يزيد ويتعدى إذا كانت متعلقة بإخوانه من العلماء والدعاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت