فهجر المسلم وقطيعته لأخيه المسلم حرام وكبيرة من الكبائر الجسام، وكذلك سوء الظن والنيل والانتقاص للمسلم حرام، لقوله صلى الله عليه وسلم:"كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله"، الحديث، وقوله:"تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا".
وأسوأ من ذلك كله الحسد، والتباغض، والتدابر، ولذلك نهى عنه وحذر منه الرسول الكريم:"لاتباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث".
ويكفي الحسد والبغضاء سوءًا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لهما بالحالقة التي تحلق الدين وليس الشَّعر:"دبَّ إليكم داءُ الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين، والذي نفس محمد بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم، أفشوا السلام بينكم".
فكيف إذا اتصف بعض العلماء والدعاة بتلك الصفات الذميمة، ومارسوا تلك الأخلاق الرذيلة؟ ومع من؟ مع طائفة من إخوانهم العلماء، وطلاب العلم والدعاة.
لاشك فإن المصيبة تكون أعظم، والبلية تكون أكبر، والرزية تكون أفدح، والخسارة تكون متعدية، لتعدي ذلك للأتباع والتلاميذ.
ما من شيء يحز في النفس، ويقض المضاجع، ويؤرق المخلصين، مثل الاختلاف، والتشرذم، والتحزب، والتحاسد، والتباغض في صفوف أهل السنة والجماعة خاصة، وفي صفوف المسلمين عامة، على الرغم من أن دواعي الائتلاف والاجتماع متوفرة، وأسباب الفرقة والتحزب والتنافر والتباغض واهية، ونتيجة هذا التدابر ظاهرة، وخسارته فادحة.
لو لم يرد في الأمر بالائتلاف والنهي عن الاختلاف إلا قوله عز وجل:"واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون"، لكفى، كيف وكتاب الله وسنة رسوله يأمران بالائتلاف، وينهيان عن الاختلاف.
لا شك أن الائتلاف والاختلاف آيتان من آيات الله، وسنتان من السنن الكونية، ولهذا ختمت الآية السابقة بقول الله عز وجل:"كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون"، أي لعلكم ترشدون.
يؤسف المسلم الحق، ويحزنه غاية الحزن، أن يرى ويسمع ما يحدث بين العلماء وحملة الشريعة من الهجر، والنفرة، والقطيعة، والوقيعة، وسوء الظن، مع علمهم بحرمة ذلك العمل، والآثام المترتبة عليه، وما يجره على الأتباع من الويل والشرور، وما يحجبه عنهم من النعم والسرور، مما جعل التلاميذ والأتباع شيعًا وأحزابًا، وفرقًا كل حزب بما لديهم فرحون، وبما يسمعون من قادتهم ناعقون، ولبعضهم بعضًا لاعنون، ومضللون، بل ومكفرون، وبما يترتب على ذلك ساهون، لاهون، جاهلون، وصدق ابن عباس رضي الله عنهما حين قال:"كل من عصى الله فهو جاهل".
بل تعدى الأمر مداه، وبلغ السيل زباه، حيث تطاول الصغار الأغرار على الكبار، وحكم العامة على الخاصة، وضلل الجاهل العالم، وبدَّع السفيه الحليم، وسلك بعضهم مع بعض مسلك الخوارج الأشرار، الذين أمَّنوا وسالموا عبدة الأوثان والشيطان، وعادوا وقتلوا وكفَّروا أولياء الرحمن، وبقايا السلف الكرام، ويصدق على هؤلاء قول القائل:"رمتني بدائها وانسلت".
وله در ابن عمر عندما سئل عنهم فقال:"ماذا تركوا من دناءة الأخلاق إلا أن يكفِّر بعضهم بعضًا"، إذ التكفير والتضليل والتبديع بغير حق لإخوان العقيدة ورفقاء الدرب من الذنوب العظيمة، والآثام الجسيمة، والصفات الرذيلة، وينبئ عن دناءة الأخلاق، وسوء الآداب أوانعدامها.
أخوف ما يخشاه المرء أن يكون الدافع لهذا الصنف في هذا المسلك المشين، وهو سوء ظنهم بإخوانهم، والحط من أقدارهم، ورميهم بما هم بريئون منه، مع علمهم بجلالة قدرهم، وسلامة معتقداتهم، وطهارة بواطنهم، الحسد الذي يأكل قلوبهم، والغيرة المذمومة التي سيطرت على نفوسهم، وطغيان الماديات على تصرفاتهم، وأن يشملهم قول الله عز وجل:"وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".